الإعلانات المصرية تفقد جاذبيتها لحملها رسائل سياسية

وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية تواجه أزمة ثقة بسبب الشائعات.
الجمعة 2019/07/12
إعلان أثار غضب المصريين

قوبلت العديد من الحملات الإعلانية مؤخرا في مصر بردود فعل سلبية من قبل الجمهور، الذي أصبح يتعامل معها كما وسائل الإعلام التقليدية مليئة بالرسائل التي تمضي في اتجاه يدعم توجهات الحكومة فقط، وغض الطرف عن قضايا أخرى قد تمثل جوهر المشكلات التي يعاني منها المواطنون.

القاهرة - نالت الإعلانات التجارية قدرا كبيرا من الغضب الشعبي مصحوبا بتحميل جهات رسمية المسؤولية، على إثر تقديم شركة “بيبسي” إعلانا يقدم فيه بعض لاعبي المنتخب المصري لكرة القدم الاعتذار للجمهور، بطريقة استفزت المواطنين بعد الخروج المهين من منافسات بطولة الأمم الأفريقية، ما دفعها إلى سحب الإعلان الذي انتشر بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي وتأكيدها أنه “غير رسمي وسيتم التحقيق في الأمر”.

وأصدرت شركة المشروبات الغازية “بيبسي” بيانا أشارت فيه إلى أن نسخة الإعلان تم تحريفها وتسريبها ويجري التحقيق مع الأطراف المعنية للوصول إلى أسباب تداول هذه النسخة المحرفة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقامت بتشكيل لجنة من المختصين بالشؤون القانونية للتحقيق في ما حدث، لمعرفة كيف تم نشر هذه النسخة غير الرسمية من هذا الإعلان بعد تحريف رسالتها الأساسية الإيجابية التي كانت تقول “الكرة لسه في ملعبنا” إلى “الاعتذار واجب”.

وأشارت سهير عثمان، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، في تصريح لـ”العرب”، إلى أن استغلال الإعلانات في الترويج الحكومي لبطولة الأمم الأفريقية أحدث خلطا بين ما هو “تجاري” وما هو “خدمي”، وبالتالي فإن الغضب الواسع ضد شركة “بيبسي”، لا يخلو من توجيه انتقادات للجهات المسؤولة عن المنتخب المصري (اتحاد الكرة المصري)، وذلك ارتباطا بحالة الرفض المماثل لما تقدمه جميع وسائل الإعلام بما فيها الإلكترونية التي تواجه أزمة ثقة هي الأخرى بسبب الشائعات.

الحكومة اضطرت في أكثر من مناسبة للتراجع عن الاستمرار في حملاتها الإعلانية خوفا من انعكاسها على توجهات الجمهور

وتواجه وسائل الإعلام في مصر عزوفا جماهيريا غير مسبوق بعد أن أصبحت الرسائل التي تقدمها تمضي في اتجاه يدعم توجهات الحكومة فقط، وغض الطرف عن قضايا أخرى قد تمثل جوهر المشكلات التي يعاني منها قطاع كبير من المواطنين، ما أفسح المجال أمام الارتكان إلى الإعلان لتحقيق الأهداف، وكأن الحكومة تأكدت من فقدان مصداقية الإعلام المحلي، وتنافس الشركات في الإعلان عن منتجاتها.

وتوسعت الحكومة في حملاتها الدعائية للترويج إلى سياساتها ومشروعاتها التنموية التي أقدمت عليها، واستطاعت أن تحقق قدرا معقولا من الجاذبية الجماهيرية، والتفاعل الكبير مع الحملات الخاصة بقطاع الصحة، والكشف المجاني عن “فيروس سي”، والتوعية بأخطار المخدرات.

في المقابل، واجهت قدرا كبيرا من الفتور والسخرية في موضوعات أخرى مثل مواجهة الفساد والترويج لنظام التعليم وتبرير زيادة أسعار المحروقات، وبدت الرغبة في الحشد وتوجيه الرأي العام طاغية على الأهداف الأساسية منها، وترتبط غالبا بالتوعية، باعتبار أن هذا النوع من الإعلانات يندرج تحت مسمى “إعلانات الخدمات”.

ودشنت وزارة البترول المصرية منذ نحو أسبوعين حملاتها مدفوعة بزيادة أسعار الوقود، ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تطبقه الحكومة، وحفلت القنوات الفضائية وإذاعات الراديو والصحف الحكومية والخاصة بإعلانات مكثفة حملت عنوان “العدالة الاجتماعية عنوان مصر في 2019″، بررت من خلالها رفع الدعم وتوجيهه إلى الطبقات الفقيرة.

ومع أن الحملة هدفها تمرير رفع أسعار المواد البترولية والمحروقات بشكل سلس، لكنها على العكس كانت أحد الأسباب التي دفعت المواطنين إلى انتقاد الحكومة، وطالبها البعض بتطبيق الزيادات التي كانت متوقعة قبل إعلانها في 5 يوليو الجاري، من دون تبريرات مستفزة للمواطنين وعدم قناعتهم بدوافعها.

وبحسب العديد من الخبراء في مجال الإعلان، حملت الإعلانات المتكررة إشارات بالتفرقة العنصرية بين المواطنين ومحاولة تأليب بعضهم على البعض، بعد أن ألمحت إلى سيطرة من يمتلكون سيارة أو سيارتين على معظم الدعم، في حين عدم استفادة الذين لا يمتلكون وسائل نقل من الدعم ذاته، وبالتالي فإن عناصر الإعلان الخدمي باتت بحاجة إلى مراجعة أساليب تقديمها.

ويرى عمر توفيق، موظف حكومي، أن الإعلانات التي تقف خلفها الحكومة تحقق ردود فعل سلبية، لأنها تبدو كمن يستخف بعقول المواطنين، وفي مرات عديدة تدفعهم نحو انتقادها والسخرية منها وقد تكون إحدى وسائل تصاعد الغضب.

وأضاف لـ”العرب”، أن شريحة مهمة من المواطنين فقدت الثقة في أي رسائل إعلامية توجهها الحكومة عبر الإعلان، ولم تعد الوسائل التقليدية تؤثر فيهم، بسبب انتشار التكنولوجيا في يد الكثير من الفئات التي كانت تتلقى معلوماتها من التلفزيون أو الصحف فقط، ما سمح لها بالتعرف على وجهات نظر جديدة مخالفة لما تسوقه الجهات الرسمية.

الحملات الدعائية لا تحقق المرجو منها لمخالفتها طبيعة الأوضاع على الأرض وعدم مراعاتها احتياجات الجمهور الأساسية

وأوضحت سهير عثمان، أن الإعلانات تلعب دورا متناميا في الوسائل الإعلامية التي تعاني مشكلات جمة، سواء كانت مهنية أو اقتصادية، لأنها تستطيع أن تملأ الفراغ الذي تركته البرامج الجادة، وكانت تستخدم كأداة لتوجيه الرأي العام، وبالتالي فإن دخول الإعلانات على هذا الخط يؤدي إلى تقديم رسالة مشوشة تختل فيها معايير الإعلان الذي يتحول إلى جرعة سياسية مباشرة في أحيان عديدة.

ويقول متابعون، إن حساسية الجمهور من الإعلانات بشكل عام وتكرار تقديم اللوم عليها بسبب التوغل ورفض المجتمع لبعض الأفكار التي تروج لها، إلى جانب الصورة الذهنية السيئة عن إعلانات الحكومة الخدمية، ستؤثر كلها بالسلب على سوق الإعلانات في الإعلام المصري المنكمش بالأساس لصالح إعلانات الطرق ومواقع التواصل الاجتماعي.

ويذهب البعض للتأكيد أن الحكومة اضطرت في أكثر من مناسبة للتراجع عن الاستمرار في حملاتها خوفا من انعكاسها على توجهات الجمهور. واضطرت مؤخرا لوقف أحد إعلاناتها التوعوية وحملت عنوان “أبوشنب”، وكان موجها للأسر في الصعيد لحثهم على تنظيم الأسرة، غير أنها واجهت رفضا مجتمعيا واسعا وصلت أصداؤه إلى البرلمان، ثم قررت إيقاف
الحملة.

وأكد صفوت العالم، أستاذ الإعلان بجامعة القاهرة، أن الكثير من الحملات الإعلانية التي تعتمد عليها الحكومة تعبر فقط عن وجهة نظرها التي لا تضع في حسبانها أن هناك جمهورا لديه رؤى أخرى متقدمة، لأن رسائلها الترويجية عن الاكتشافات البترولية الجديدة مثلا لا تراعي أنها لم تنعكس على أسعار الوقود، ما يؤدي إلى عدم وصولها إلى المتلقي بالأساس.

ولفت في تصريح لـ”العرب”، إلى أن الحملات الدعائية لا تحقق المرجو منها لمخالفتها طبيعة الأوضاع على الأرض وعدم مراعاتها احتياجات الجمهور الأساسية، وقد يأتي ترتيب عرضها على الفضائيات أو الصحف في سياقات معاكسة لبعضها، بحيث يأتي إعلان يحث على التقشف ويعقبه مباشرة آخر ترويجي لشراء مساكن بملايين الجنيهات.

18