الإعلام العراقي نسخة مكررة من البيانات الحكومية بلا تدقيق

الجيوش الإلكترونية تنشط مع اعتماد الجمهور على مواقع التواصل كمصدر للمعلومات.
الخميس 2020/03/26
الصحف تتناقل ما تقوله الحكومة فقط

تحولت وسائل الإعلام العراقية إلى مجرد ناقل للبيانات الرسمية الجامدة والروتينية وتنشرها كما وردت من المصدر من دون حتى إعادة تحريرها، وبسبب هذه السياسة فقدت وسائل الإعلام المحلية مكانتها وصدقيتها بين الجمهور كمصدر أول للمعلومات، وتحوّل الجمهور إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

بغداد - تتناقل وسائل الإعلام العراقية من قنوات تلفزيونية وصحف ومواقع ووكالات إخبارية بشكل يومي كمّا هائلا من البيانات الصادرة عن الجهات والمؤسسات الرسمية إلى جانب تصريحات مسؤولين وسياسيين، ويتم سردها دون التحقق من المعلومات الواردة فيها، أو التحقق من الأطراف المعنية بهذه القضية.

واتسعت ظاهرة تناقل البيانات من دون إعادة تحريرها وصياغتها وتقديمها إلى الجمهور بطريقة صحافية محترفة، إضافة إلى عدم مطابقة التغطيات الصحافية والإعلامية للبيانات والتصريحات الرسمية مع الواقع ومقارنتها مع الإحصاءات والبيانات الموثوقة لنفس الجهات، وفق ما أكد “بيت الإعلام العراقي”.

وأوضح التقرير أن أغلب وسائل الإعلام تتناقل هذه البيانات الرسمية وتعيد نشرها على مواقعها الإلكترونية بذات الصياغة والعناوين الصادرة عن مصدرها من المؤسسات الرسمية، بطريقة دفعت الجمهور إلى عدم التفاعل والرغبة في متابعة وسائل الإعلام، وتحوّلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات وهو يشكّل ظاهرة خطيرة بسبب التعرض لظاهرة الأخبار المزيفة والجيوش الإلكترونية في توجيه الرأي العام نحو مسارات معينة لأهداف مختلفة، بينما تخلت وسائل الإعلام عن دورها الحقيقي في إيصال المعلومات الدقيقة.

ويرى صحافيون أن حملة القمع والهجمات التي تعرّض لها الصحافيون ووسائل الإعلام المحلية بسبب التغطيات ونقل الاحتجاجات التي اندلعت في الأشهر الأخيرة، كانت إحدى الأسباب الهامة التي دفعت وسائل الإعلام للالتزام بالبيانات والمعلومات الحكومية.

كما يواجه الصحافيون الاستقصائيون تحديات كبيرة من قبل الحكومة والأحزاب السياسية عند تناولهم لقضايا فساد، لهذا باتوا يحجمون عن التقصي والبحث، ويلتزمون بالرقابة الذاتية.

وكان آخر هؤلاء الصحافيين حسن صباح مراسل وكالة بغداد اليوم الإخبارية الذي احتجزته استخبارات البصرة الجمعة، على خلفية نشره تقارير عن قضايا فساد وتلاعب بالعقارات في المحافظة.

وذكر صباح لجمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق أنه وأثناء ذهابه إلى عمله في الوكالة، قامت قوة من استخبارات المحافظة، باحتجازه في مركز شرطة (المربد) لمدة خمس ساعات، ولم يتم إطلاق سراحه إلا بعد توقيعه على تعهد خطّي، بعدم نشره تقارير عن قضايا معينة، ودفع كفالة مالية.

وسبق أن تعرض صباح في الآونة الأخيرة لتهديدات من قبل مجهولين، بعد نشره تقارير صحافية تتحدث عن استيلاء على أراض مخصصة لبناء مدارس وتحويلها إلى مراكز تجارية.

وهذه الحوادث وأخرى مشابهة لها رسّخت لدى وسائل الإعلام العراقية ظاهرة الاقتصار على البيانات والمعلومات الرسمية، لكونها أضمن طريقة للسلامة.

ومع تفشّي الظاهرة فإن المواقع الإلكترونية لوسائل الإعلام أصبحت متشابهة، وهو ما انعكس سلبا على وسائل الإعلام الرئيسية التي أغفلت أنّ تناقل البيانات يؤثر على محتواها العام وإقبال الجمهور عليها، لأنها تركز على الكمّ في نشر الأخبار لا النوع.

وأشار بيت الإعلام العراقي إلى أن 90 في المئة من وسائل الإعلام المحلية تعتمد في محتواها الإخباري اليومي على البيانات الصادرة من المؤسسات الرسمية والحزبية والشخصيات السياسية بنسبة 80 في المئة، فيما 20 في المئة فقط من هذا المحتوى يعتمد على تقارير خاصة وتصريحات حصرية بها.

ضعف التغطيات المتخصصة عن كورونا
ضعف التغطيات المتخصصة عن كورونا

وتتخذ أغلب وسائل الإعلام المحلية مبدأ أساسيا في عملها يستند على الكم لا النوع، عبر السعي إلى نشر أكبر قدر من الأخبار، وبسبب ضعف إنتاج المحتوى الخاص والحصري، فإنها تجد البيانات الرسمية مادة دسمة لتحقيق هذا المبدأ الذي يتنافى مع مبادئ الصحافة والإعلام القائمة على كشف الحقائق للجمهور وتوضيحها لا القيام بدور ساعي بريد من المؤسسات الرسمية إلى الجمهور.

وبلغ مدى كسل الكوادر الصحافية في وسائل الإعلام إلى حد أنها تتناقل البيانات الرسمية الجامدة والروتينية التي تعتمد طريقة في صياغة الخبر مغايرة تماما مع متطلبات الصحافة، وتعيد نشرها في مواقعها الإلكترونية كما وردت من المصدر، من دون إعادة تحريرها من جديد والتقاط المهمّ منها فقط أو على الأقل إبرازه وتقديمه بطريقة بسيطة وواضحة إلى الجمهور.

وتعتبر أن ما ورد في هذه البيانات حقيقة وواقع دون بذل أيّ جهد للتأكّد من مضمونها ومدى مطابقتها مع الوقائع عبر استقصاء مصادر مختلفة أو حتى مقارنتها مع البيانات الصادرة سابقا من ذات المؤسسة، إذ غالبا ما يلاحظ التباين والتناقض في البيانات الرسمية وكذلك التهويل والإشارة إلى إنجازات مفترضة كأحد مهام المكاتب الإعلامية التابعة للمؤسسات الرسمية.

ولا يقتصر الأمر فقط على المؤسسات والجهات الرسمية، إذ تنقل وسائل الإعلام البيانات الصادرة عن الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية بشكل كامل رغم تضمنها اتهامات أو معلومات ضد أشخاص، دون محاولة عرض وجهة نظر الأطراف الأخرى المعنية والغائبة في هذه البيانات، كما أن وسائل الإعلام وقعت في فخ سرد الآراء والتحليلات بشكل واسع بدلا من المعلومة، وهو ما شجّع المسؤولين والسياسيين على سرد وتسريب معلومات غير صحيحة لإدراكهم مسبقا أن وسائل الإعلام لن تتحقق أو تطالب بأدلة وقرائن حول تصريحاتهم.

وبسبب هذه السّياسة فقدت وسائل الإعلام المحلية مكانتها وصدقيّتها بين الجمهور كمصدر أول للمعلومات، وتحول الجمهور إلى مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار لأن الصفحات العامة والمدوّنين يدركون جيدا ما يبحث عن الجمهور ويركّز على نقل الأخبار المهمة فقط.

في المقابل فإن ظاهرة التحوّل إلى مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار شجّع الجيوش الإلكترونية على بث أخبار مزيفة مستغلين ضعف ثقافة الجمهور في التحقق من الأخبار.

ويوصي بيت الإعلام العراقي وسائل الإعلام بالتخلي عن ظاهرة الكم في محتواها الخبري والتركيز على النوع، وتقديم تغطيات مهمة تستند على المعلومات والتقارير الحصرية والخاصة التي تهم الجمهور سواء في القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

وأضاف أن على وسائل الإعلام والصحافيين التحقق من فحوى البيانات الرسمية والحزبية وتلك الصادرة عن الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية، وذلك من خلال مراجعة الآراء والمعلومات والأرقام الواردة فيها ومقاطعتها مع مصادر أخرى للتأكد من مضمونها.

ويجب على وسائل الإعلام التخلي عن ظاهرة نسخ البيانات الرسمية دون صياغة المضمون والعنوان، وبذل جهود أكبر في إعادة صياغة هذه البيانات بطريقة صحافية عبر تقديم المهم فيها وعدم التمسك بنشر كل ما تحتويه البيانات إذا لم تتضمن معلومات مهمة.

18