الإسلاميون يُكرسون ثقافة الاستقواء بالأجنبي لتحقيق أجنداتهم

النهضة التونسية تُكثف تحركاتها الخارجية للضغط على قيس سعيد.
الخميس 2021/09/09
تحركات مثيرة للجدل

يُثير استمرار حركة النهضة الإسلامية في تونس التحرك على أكثر من صعيد خارجيا في مسعى لتحصيل دعم سواء من الولايات المتحدة أو غيرها ضد خصومها وفي مقدمتهم الرئيس قيس سعيد تساؤلات عن السبب الكامن وراء محاولات الإسلاميين توظيف ورقة الدعم الخارجي للاستقواء على خصومهم.

تونس - سلطت زيارة وفد الكونغرس الأميركي الذي قاده السيناتور الديمقراطي كريس مورفي إلى تونس الضوء على تكريس الإسلاميين لثقافة الاستقواء بالأجنبي لفرض أجنداتهم، وذلك من خلال الترويج لسردية المظلومية التي تميز تيارات الإسلام السياسي عن غيرها.

لا تُخفي حركة النهضة الإسلامية التي مسكت زمام الأمور في تونس بعد ثورة الرابع عشر من يناير 2011 رغبتها في حدوث نوع من الضغط الخارجي الذي يوقف الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في الخامس والعشرين من يوليو والتي تنص على تجميد أعمال البرلمان واختصاصاته وإقالة حكومة هشام المشيشي ورفع الحصانة عن النواب البرلمانيين.

وبالرغم من أن خطاب الحركة اتسم بالتهدئة مع الرئيس سعيد بعد أن وصفت إجراءاته بالانقلاب، إلا أن عددا من قياداتها لم يترددوا في إطلاق حملة واسعة النطاق سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها للضغط على الدوائر السياسية الغربية لتبني موقف متشدد إزاء خصومها.

والثلاثاء شارك الناطق الرسمي باسم الحركة فتحي العيادي في اجتماع لاتحاد البرلمانات الدولية بتكليف من زعيم حزبه راشد الغنوشي، إلى جانب رئيس كتلة حزب قلب تونس البرلمانية أسامة الخليفي حيث تلا الأخير بيانا للغنوشي بشأن الوضع السياسي في تونس.

رفض واسع

Thumbnail

عكست زيارة وفد الكونغرس بقيادة السيناتور مورفي نهاية الأسبوع تونس حيث التقى الرئيس سعيد بعد اجتماع مع نواب برلمانيين سعيا محموما من النهضة لتوظيف ورقة الضغط الخارجي للحيلولة دون إبعادها عن السلطة.

وبالرغم من أنها تنفي علنا طلبها أي دعم أجنبي لوقف العمل بإجراءات الخامس والعشرين من يوليو الماضي، إلا أن مصادر أشارت إلى طلب النائبة البرلمانية التي مثلت النهضة السيدة الونيسي من الوفد الأميركي الضغط على سعيد لإنهاء العمل بالإجراءات المذكورة.

وبالرغم من الاختلاف الذي أثارته هذه الإجراءات بين من رآها خطوة نحو تصحيح مسار البلد الذي يشهد ركودا اقتصاديا وتوترات اجتماعية مستمرة، غير أن زيارة الوفد الأميركي قوبلت برفض واسع من قبل أطراف تونسية فاعلة في المشهد السياسي حيث اعتبر هؤلاء أن هذا الوفد سيسعى للضغط على سعيد مدفوعا بالرواية التي تروج لها النهضة عما حصل في البلاد.

وامتنع كل من الاتحاد العام التونسي للشغل، الحزب الدستوري الحر المعارض، حركة الشعب، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها عن قبول الدعوة التي وجهتها السفارة الأميركية لها للقاء الوفد في منزل السفير في إحدى ضواحي العاصمة مساء السبت. 

زيارة وفد الكونغرس بقيادة السيناتور كريس مورفي تونس تعكس سعيا من النهضة لتوظيف ورقة الضغط الخارجي لمنع إبعادها عن السلطة

وترفض الأطراف المذكورة كما غيرها التدخل الأجنبي في الأزمة التونسية، لكن النهضة التي واجهت اتهامات سابقا بإبرام عقود لوبينغ للتأثير في الإدارة الأميركية والحصول على دعمها في مواجهة خصومها وهم بالأساس الرئيس سعيد ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، تلتزم الصمت حيال هذه المسألة.

يذهب مراقبون وأوساط سياسية تونسية في تفسير تطلع النهضة، التي تأسست قبل أربعين عاما، للحصول على دعم أجنبي في مواجهة خصومها إلى أن الحركة باتت متوجسة عن مستقبلها الذي يكتنفه الكثير من الغموض خاصة في ظل الانقسامات الداخلية التي تعصف بتماسكها الذي لطالما تباهت به.

وساهمت الإجراءات التي اتخذها الرئيس سعيد في تحجيم نفوذ النهضة حيث جمد البرلمان الذي كانت تفرض سطوتها عليه، وأقال الحكومة برئاسة  المشيشي الذي كان حليفا للحركة الإسلامية فيما رفع الحصانة عن النواب البرلمانيين تمهيدا لمحاكمة بعضهم وذلك تطبيقا للفصل 80 من الدستور التونسي.

واعتبر وزير الخارجية التونسية الأسبق أحمد ونيس أن “من حق حركة النهضة أن تتخوف على حاضرها ومستقبلها، هذا مقبول، لأنها تدرك أن هناك موجة ضدها وضد تغولها في الإدارة التونسية وسيطرتها على المجتمع منذ أكتوبر 2011”.

واستدرك ونيس في تصريح لـ”العرب”، “لكن دور المظلومية لدى النهضة الآن غير ممكن لأن الحديث عن اضطهاد الإسلاميين في تونس غير صحيح، المجتمع التونسي فتح باب الديمقراطية للجميع بما في

ذلك للنهضة إذا كانت لديها قاعدة انتخابية وبالفعل نجحت في اكتساب هذه القاعدة ما جعلها تتوغل في مفاصل الحكم في تونس، لكنها أخفقت في تحقيق غاياتها وإقناع الشعب التونسي وأصبحت اليوم واعية بخيبتها، هي تواجه خيبة اليوم”.

وتابع الدبلوماسي التونسي أن “النهضة اليوم وصلت إلى سقف محدد سياسيا لا يمكن تجاوزه حتى أن الخلافات تسللت إلى بيتها الداخلي، هناك تناقضات اليوم داخل الحركة.. بالنسبة إلينا ما يمكن قوله للعالم: نحن نخشى حكما إسلاميا في تونس لأنه لن يقدم شيئا لنا، ضمير المثقف التونسي تسكن

أحمد ونيس: لا يمكن للنهضة ادعاء المظلومية لأنه لا وجود لاضطهاد للإسلاميين

فيه أفكار حداثية وطموحات لا يمكن أن تتحقق تحت حكم إسلامي، لسنا بحاجة إلى حزب سياسي حتى يعلمنا الإسلام: النهضة تراجعت بتونس إلى الوراء، لم تقدم لها شيئا”.

ويبدو أن تعاظم مخاوف قيادة النهضة التي راوحت بين التصعيد مع الرئيس سعيد يعود أيضا إلى حالة التشرذم التي أضحت تعيشها الحركة داخليا بسبب خياراتها.

ومنذ أيام وجه القيادي البارز ووزير الصحة الأسبق عماد الحمامي انتقادات حادة لرئيس النهضة الغنوشي الذي يرأس أيضا البرلمان المجمدة أعماله واختصاصاته، متهما إياه بالدكتاتورية.

وقال الحمامي في تصريحات لوسائل إعلام محلية إن “الغنوشي تحول إلى دكتاتور مكتمل الأوصاف، لقد انتهى سياسيا”.

واعتبر أن “على النهضة القطع نهائيا مع الإسلام السياسي وتتحول إلى حزب مدني يخدم التونسيين”.

وكان الغنوشي الذي يواجه معارضة واسعة داخليا بشأن التمديد له في رئاسة الحركة بما يخالف نظامها الداخلي قد قرر مؤخرا تجميد عضوية الحمامي من الحركة في خطوة أثارت جدلا واسعا، خاصة أن الحمامي لم يتردد في توجيه وابل من الانتقادات للنهضة وطريقة تعاملها مع الأزمة السياسية.

وقالت حركة النهضة في بيان نشرته عبر صفحتها بموقع فيسبوك “عملا بأحكام القانون الأساسي لحزب حركة النهضة، قرّر رئيس الحزب تجميد عضوية الأخ عماد الحمامي في الحزب وإحالته على لجنة النظام بسبب تكرر تجاوزاته لسياسات الحركة”.

وكان الحمامي أطلق في الثاني من أغسطس الماضي تصريحات مخالفة تماما لمواقف الحزب، إذ اعتبر أن تفعيل الفصل 80 من قبل رئيس الجمهورية هو “قرار شجاع”، في وقت تعتبر النهضة ما حصل انقلابا على الدستور وخرقا جسيما لبنوده، كما اعتبر الحمامي أن ما حصل “فرصة للتغيير داخل حزب النهضة”، منتقدا بشدة عدم اعتراف النهضة بأخطائها.

وعلق ونيس على هذه الأزمة بالقول إن “هذه الخلافات رحلتها النهضة وقيادتها في العديد من المرات، لا بد أنها ستحسمها في المؤتمر الذي جرى تأجيله في أكثر من مناسبة.. إذا أرادت النهضة إبراز ديمقراطيتها عليها أن تحسم تلك الخلافات في مؤتمرها لا بطرق أخرى”.

تطبيع مع الاستقواء بالأجنبي

محمد ذويب: الإخوان يحاولون دفع الشعوب إلى التطبيع

مع تكرر محاولات حركة النهضة في تونس استمالة قوى أجنبية لدعمها ضد خصومها، يرى مراقبون أن الإسلاميين يحاولون دفع شعوبهم إلى “التطبيع” مع الاستقواء بالأجنبي لحل الخلافات الداخلية.

ولطالما حاولت الجماعات الإسلامية سواء التي ولدت من رحم تيار الإخوان المسلمين أو غيره اللعب على وتر المظلومية وحقوق الإنسان لتشويه خصومهم في الخارج واستمالته لضرب هؤلاء، خاصة عندما تنتفي مناخات الحرية والديمقراطية وهو ما تُحسن تلك الجماعات استغلاله.

واعتبر الباحث التونسي والأكاديمي محمد ذويب أن “علاقة التيارات الإسلامية بالقوى الدولية المؤثرة والراسمة للسياسات الكبرى في العالم وطيدة بقطع النظر عن اختلافات توجهات هذه التنظيمات من حزب التحرير إلى القاعدة إلى داعش إلى الإخوان المسلمين، فالقوى الكبرى لطالما وظفت هذه الجماعات في التحكم في الدول ورسم الخرائط الكبرى في الإقليم”.

وأردف ذويب في تصريح لـ”العرب” أن “التيارات الإسلامية وخاصة منها الإخوان كانت ولا تزال محل رهان الغرب في إطار ممارسة الاستعمار الجديد، لأن الاستعمار الكلاسيكي انتهى تقريبا منذ خمسينات وستينات القرن الماضي ولكن استنزاف الغرب لمقدرات الشعوب وتدخله في شؤونها لا يزال متواصلا وقد مثلت التيارات الاسلامية أدوات تنفيذ في يد القوى الاستعمارية الكبرى”.

وتابع أن “التنافس على السلطة جعل الإخوان يحاولون دفع الشعوب على القبول والتطبيع مع الاستقواء بالأجنبي على خصومهم.. أصبحت الشعوب للأسف تطبع مع الاستعمار في شكله الجديد وتستسيغه وتتعود به وهذا أخطر ما في الأمر، فأصبحت الأحزاب الكبرى تهرول لحيازة رضا القوى الاستعمارية مما تسبب في انخفاض دور القوى الوطنية وتضاؤل قدرتها على التغيير واضمحلالها نهائيا”.

ومع ذلك، تبدو الولايات المتحدة قد بدأت تغيير سياساتها تجاه دول المنطقة خاصة تونس إثر الانتفاضة الشعبية على المنظومة السياسية التي حكمت البلاد بعد ثورة يناير.

وبدا ذلك لافتا في إعلان السيناتور مورفي عدم دعم بلاده لأي طرف سياسي على حساب آخر في تونس.

وقال ذويب إن “القوى الغربية الفاعلة وخاصة بعد 2011 غيرت من تكتيكاتها وفق ما يجري في العالم وأصبحت تصغي أكثر لصوت الشعوب التي آمنت أكثر بدورها في التغيير وقدرتها على ذلك، وخاصة بعد فشل التيارات الإسلامية في تقديم بدائل اقتصادية واجتماعية لشعوبها نظرا لغياب البرامج لديها وبعد موجة اجتياح البلدان العربية بعد 2011 تراجع دور الإسلام السياسي في المنطقة ككل”.

واستنتج الباحث التونسي أن “الغرب لم يعد يراهن على الإسلام السياسي ويبحث عن أحصنة جديدة تضمن له ولو القليل من مصالحه وهو ما حدث مؤخرا مع حركة النهضة في تونس والتي يبدو أن القوى الدولية المؤثرة في المنطقة قد رفعت عنها يدها وإلى الأبد وهذا ما يستشف من مواقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع”.

13