الإرهاب ثلاثة

لماذا لا يجرؤ مسؤول عراقي واحد على التصريح بأن النظام الإيراني، الأخطرَ من داعش، هو صاحب الخلايا الإرهابية المسؤولة عن جرائم القصف والمفخخات والتفجيرات ثم يلصق تهمة القيام بها بداعش.
الأحد 2021/03/07
إرهاب إيران الأقوى والأوسع والأكثر تطرفا ودموية من كل إرهاب آخر

لم نعد بحاجة إلى دليل إثبات على مسؤولية النظام الإيراني عن صواريخ أربيل، بعد إلقاء القبض على مسؤول الخلية (العراقية) التي نفذت الهجوم، واعترافه العلني بانتماء أفرادها إلى ميليشيات “سيد الشهداء”، التي أنشأها الإيرانيون عام 2013.

ولكن بالرغم من ذلك يخرج علينا رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان البارزاني، ليقول “إن العراق ما زال بحاجة إلى مساعدة الولايات المتحدة والتحالف الدولي لمواجهة تنظيم داعش”، وليس إيران.

والسؤال الملحّ هنا هو لماذا لا يجرؤ مسؤول عراقي واحد على التصريح بأن النظام الإيراني، الأخطرَ من داعش، هو صاحب الخلايا الإرهابية المسؤولة عن جرائم القصف والمفخخات والتفجيرات ثم يلصق تهمة القيام بها بداعش الذي قد يكون له وجود حقيقي، وقد لا يكون.

فتنظيم داعش، كما هو ثابت ومعروف، تحوّل إلى فُتات متناثر من دون هيئة موحدة تدير وتتابع ولها أقنيتُها الإعلامية، كما كانت في السابق، لتُكذّب من يتهم التنظيم بتلك العمليات. وقد يكون، وهو البريء، مضطرّا إلى السكوت، باعتبار أن ذلك يكسبه دعاية مجانية هو في حاجة إليها وهو في أسوأ حالاته.

حين ندقق في طبيعة الإرهاب الإسلامي المعاصر وأنواعه وأماكن نشوئه ومصيره نتوصل إلى نتيجة مفادها أنه ثلاثة أنواع:

* الأول هو الإرهاب البدائي الفردي الذي لم يستطع أن ينفذ سوى بضع عمليات اغتيال أو تفجير أو افتعال حريق. والمعروف أن الذي فكر في تأسيسه، وقام بتشكيل خلاياه الأولى هو مرشد الإخوان المسلمين، حسن البنا الذي تلاقحت أفكاره بأفكار سيد قطب المتشددة والمتطرفة، الداعية إلى القوة وسفك الدم لتغيير الأنظمة.

ولكن محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر سنة 1954 كانت هي الكبوة الأولى للجماعة، حيث تمّ اعتقال أغلب قادتها، وأعدم مرشدها الروحي، سيد قطب، باعتباره الموجه والمفتي باغتيال رئيس الدولة، وواضع خطط أخرى لنسف القناطر الخيرية وبعض الكباري ومحطات الكهرباء والمياه، وذلك لإشاعة فوضى تؤدي إلى وصول الإخوان إلى السلطة.

والكبوة الثانية كانت باغتيال الرئيس أنور السادات، حيث دفعت الحركة لتلك الجريمة ثمنا باهظا من قوتها، ولكن جذورها ظلت حية وقادرة على الفعل المؤثر واكتساب جماهير واسعة من المصريين والعرب المسلمين خارج مصر.

ولكنها لم تتحول إلى حركة عرجاء مشلولة إلا في أعقاب أحداث تموز/ يوليو 2012 التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين، وضربتهم في مقتل، وحولت قادتها إلى لاجئين في قطر وتركيا أو هاربين من العدالة.

* الثاني هو إرهاب الجماعات (السنية) السلفية التكفيرية، والذي أنشأه أسامة بن لادن، المتلاقي فكرا وتنظيما مع جماعة الإخوان المسلمين.

نحن اليوم في زمن أجبَر دولا كبرى كانت تمتهن الغـزو والاحتلال على تـرك مستعمراتها، وإعادة جنودها إلى أهاليهم سالمين، واستبدال احتلالها العسكري المكروه باحتلال آخر أنعم ومقبول، ولكنه أشدّ ذكاء، وأكثر حنكة، وأكثر منفعة

ورغم أن القاعدة، التي أسسها وتزعمها في أفغانستان، بدعم أميركي سعودي، نفذت عمليات إرهابية نوعية كبرى من وزن تفجير مركز التجارة العالمية في نيويورك سنة 2001 إلا أنها لم تتحول إلى قوة فاعلة حاكمة على الأرض إلا حين انسلخ عنها أبومصعب الزرقاوي وأسس، في التسعينات من القرن الماضي، تنظيم “التوحيد والجهاد”.

وبعد مقتله على يد القوات الأميركية في العام 2006 ورثه في القيادة أبوبكر البغدادي الذي أقام أول خلافة إسلامية أطلق عليها اسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المختصر بـ”داعش”.

ولكن الزمن أثبت أنها ولدت ميتة، كالفقاعة، رغم اتساع رقعة احتلالها لمساحات واسعة ومهمة في العراق وسوريا. إذ سرعان ما رأى الذين اخترعوها، أو الذين شاركوا في توليدها والممسكون بزمامها، أن الحاجة إليها قد شارفت على النهاية، وأن ذبحها أصبح ضروريا لا بد منه.

أمّا ما يقوم به بعض انتحاريي دولة الخلافة، هنا وهناك، من عمليات، منذ سقوطها ومقتل البغدادي وإلى اليوم، فليس سوى دليل على الخيبة والفشل والاندحار.

وإلى هذا الحدّ يمكن اعتبار الإرهاب السني عاش هزيلا، وهو في أيامنا هذه هزيل وفي أواخر أنفاسه، بعد أن تحوّل إلى عصابات متفرقة يتيمة لا راعي لها ولا معين.

* أمّا الثالث فهو إرهاب الدولة الإيرانية الغنية القوية ذات العقيدة القومية الطائفية المتشددة والمدعومة والمموّلة من دول صناعية كبرى كروسيا والصين وكوريا الشمالية. والحقيقة أنه هو الإرهاب الأقوى والأوسع والأكثر تطرفا ودموية من كل إرهاب آخر عرفته المنطقة والعالم في العصر الحديث.

لم يكتف مؤسسه الخميني بأسلحة التنظيمات الإرهابية (السنية) المؤسسة على فكرة محاربة الغرب الصهيوني الاستعماري ووكلائه وعملائه، بل أضاف إليها سلاحا آخر أكثر سحرا وأشدّ قدرة على تخدير المجاميع الجاهلة، حين ألبس فكرته لبوس العزة المذهبية الجريحة، ليس لمواجهة الغرب الاستكباري، وحده، بل لدحر خصوم الطائفة الشيعية التاريخيين الذين تسيّدوا على العالم الإسلامي مئات القرون.

ثم نقل الحرب، بذلك، من حدود الأمم مع أعدائها إلى داخل الأمة نفسها بين أبنائها. فالحروب المذهبية، اليوم، دخلت إلى كل منزل، وفي كل حارة وقرية ومدينة، في البلد الواحد، والملة الواحدة.

ورغم جبروته ودمويته لم يستطع أن يفهم طبيعة العصر الحديث، ولم يدرك أنه يغزو وغيرُه عائد من الغزو وأيامه وآلامه وأحزانه وتكاليفه الباهظة.

فنحن اليوم في زمن أجبَر دولا كبرى كانت تمتهن الغـزو والاحتلال على تـرك مستعمراتها، وإعادة جنودها إلى أهاليهم سالمين، واستبدال احتلالها العسكري المكروه باحتلال آخر أنعم ومقبول، ولكنه أشدّ ذكاء، وأكثر حنكة، وأكثر منفعة.

وها هي اليوم تتسابق في ما بينها على بيع مستعمراتها القديمة أطنانا من الأرز والقمح والشعير، إلى جانب المدافع والصواريخ والأقمار الصناعية، ومع الهواتف الذكية وعلاجات كورونا.

ولكن لا أحد في العراق اليوم من أكبر رؤوس العملية السياسية إلى أصغرها الذين يرون ويسمعون ولكن لا يتكلمون. والحق كله على داعش وعلى البعثيين الصداميين والوهابيين، ولله في خلقه شؤون.

5