الأمومة السامة تعرض الأبناء للإجهاد المزمن

كثرة الانتقادات والرغبة في التحكم تزيدان من احتمال مواجهة الأبناء لمشاكل صحية متواترة.
الأربعاء 2021/09/15
الرغبة في توفير الرعاية الضرورية للأبناء قد تنقلب إلى سمية

يؤكد خبراء علم النفس على ضرورة أن تتخلى الأمهات عن الأسلوب القاسي في التربية وأن يتجنبن النقد اللاذع الذي يفقد الأطفال ثقتهم بأنفسهم. ويشير الخبراء إلى أن أهم تأثيرات وتبعات التربية السامة على الأبناء أنهم يصبحون أكثر عرضة للإصابة باضطرابات القلق، كما يتعرضون للإجهاد المزمن واحتمال مواجهة مشاكل صحية أخرى.

تتسم الأمهات السامات عادة بكثرة الانتقادات والرغبة في التحكم وإهمال احتياجات الطفل. وغالبا ما يبالغن في رد الفعل ويملن إلى تهويل الأمور.

ويشير خبراء علم النفس إلى أن الأم السامة عاطفية للغاية ولا يمكن التنبؤ بتصرفاتها لكنها قد تتحول إلى أم سيئة ومؤذية وذات سلوك تعسفي، وهو ما يؤثر على الصحة العقلية والعاطفية للطفل.

وقالت الكاتبة الهندية أيوشي غوبتا إن الأمومة السامة غالبا ما تنبع من الرغبة في توفير الرعاية الضرورية للأبناء، لكنها قد تنقلب إلى عكس ذلك.

وتحب الأم السامة نفسها وتهتم برغباتها واحتياجاتها ولا تفكر أبدا في الآخرين. كما تقلل من احترامهم وتفتقد للتعاطف واللطف. وتتلاعب بمشاعر الأبناء وتسيء لهم عبر التكذيب والاستخفاف والتأنيب.

وتعتقد الأم السامة أنها دائما على حق وتتصرف من منطلق المنافسة. ويؤكد خبراء علم النفس أن أهم علامة تدلّ على أن أحد الوالدين سام هو عدم احترامه للحدود، فقد ينتهك خصوصية الابن دون إذن ويحاول التحكم في حياته.

ويشيرون إلى أن أهم تأثيرات وتبعات التربية السامة على الأبناء أنهم يصبحون أكثر عرضة للإصابة باضطرابات القلق، وأكثر عرضة للمعاناة من اضطرابات ما بعد الصدمة. كما يتعرضون للإجهاد المزمن واحتمال مواجهة مشاكل صحية أخرى، إضافة إلى أنهم يصبحون أكثر استجابة للإجهاد بشكل متواتر، وغير قادرين على فرض أي حدود شخصية وكذلك غير قادرين على رفض طلبات الآخرين.

ومع الآباء السامين غالبا ما يقضي الأبناء الكثير من الوقت في التفكير بالتعليقات العدوانية السلبية والشعور بالذنب مما يزيد من شعورهم بالإرهاق. كما أن الأشخاص الذين ينشأون في أجواء سامة أكثر عرضة للإصابة بمشاكل في القلب بمرحلة لاحقة.

وينمو الطفل مع احتياج طبيعي للشعور بالحب والقبول غير المشروط من أمه، وبينما تؤكد الصورة الذهنية النمطية عن الأم أنها نبع الحنان ومصدر الأمان، فعلى عكس المتعارف عليه هناك أمهات بلا جنة تحت أقدامهن، يواجهن معاناتهن الخاصة، ولا يستطعن التعامل معها، يبدين وكأنهن لا يعرفن كيف يحببن أبناءهن، أو على الأقل كيف يُعبّرن عن هذا الحب بطريقة صحية، وكأنهن أصبحن أمهات استجابة لسيناريو مُعَدّ سابقا بلا رغبة حقيقية في الأمومة.

الأم السامة تحب نفسها وتهتم برغباتها واحتياجاتها ولا تفكر أبدا في الآخرين
الأم السامة تحب نفسها وتهتم برغباتها واحتياجاتها ولا تفكر أبدا في الآخرين

وتؤكد رانية السلامي البالغة من العمر 12 سنة أنها تعاني من التصرفات السيئة لوالدتها وسوء معاملتها لها. وقالت السلامي لـ”العرب” إن والدتي دائمة النقد والتجريح والصراخ في وجهي حتى أمام صديقاتي ما يشعرني أحيانا بالحرج.

وأضافت أنها تتفهم شعور أمها الذي ينبع من الخوف عليها لكن كان يمكن لها أن تتعامل معها بأسلوب ألطف وأن توجهها حسب ما يتطلبه عمرها وليس حسب ما تراه هي مناسبا.

وأشارت نجيبة الكوكي، أم لثلاث بنات ومربية أطفال، أن الأمومة السامة أولى خطوات خسارة الأبناء، مؤكدة أنه على الأمهات أن يتحلين بالصبر في تربية أطفالهن وأن يتجنبن أسلوب النقد اللاذع وأن يكن قدوة حسنة لأبنائهن. وقالت الكوكي لـ”العرب” إنه يجب أن تفكر الأمهات في نفسية أطفالهن وألا يدفعنهم للإصابة بالقلق أو الاكتئاب.

وغالباً ما تهمش الأم تأثير سلوكياتها على بناء الطفلِ النفسي، فينشأ ضعيفا غير واثق في نفسه، أو ناقماً في وقتٍ ما من عمره على ما تلقاه من سلوكيات تربوية تركت أثرها النفسي مدفوناً في أعماقه.

وقال أحمد فرينة الباحث الفلسطيني في علم التربيةِ والنفس إن سلوكياتُ الأمِ السّامة تبدأ عند عدم قبولها الدائم لما يقدمه الأبناءُ من مجهوداتٍ  لقاء رضاها، ثم تتطور الأمور بشعور أبنائها بالذنب لعدم قدرتِهم على استجلابِ رضاها.

وأضاف أن هذا التصرف يجعلُ من الابنِ أسيراً لمعايير مثالية لا يمكن تحصيلها، هذا فضلاً عن ممارستها أسلوب السيطرة بالاعتداء على حرية الأبناء في اتخاذ القرارِ الملائم.

الأم السامة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها فقد تتحول إلى أم سيئة ومؤذية، وهو ما يؤثر على الصحة العاطفية للطفل

وأشار فرينة إلى أن الابن يجد نفسَه واقعاً في ظرف مراجعتها خشية الصدام وتعرضه للعقابِ حال تحرره عن سلطتها ودكتاتوريتها خصوصاً عندما تشعرُ بأنها في موقع المنافس فتظهر عليها علامات الغيرةِ وتضع نفسها في موقع الخصم.

وأكد فرين أن الأم السامة لا يوجد لديها وعي كأم يفترض بها أن تبني مفاهيمَ إيجابية تسعى من خلالها لبناء أصولِ الثقة والمحبة والتسامح فتستبدلها بإشعارهم بالعجز وضرورة الخنوعِ لأخذ أقل حقوقهم.

وقالت نجوى أبوعيد اختصاصية نفسية من لبنان “إنَّ تأثيرَ نرجسيةِ الأم السامة كبير جداً على أبنائها، فمن خلال إهمالها لهم من ناحية وتسلطها الكبير والعنيف عليهم من ناحيةٍ أخرى تجعلهم أداة تتلاعبُ بها عاطفياً، غير قادرين على الانفصال عنها وتكوين شخصيةٍ مستقلة، لأنهم امتداد لها، ومرتبطون بها من خلال الشعور بالذنب الشديد”.

وينعكسُ تأثير الأم السامة على أطفالها نفسياً من خلال سماتهم الشخصية وفق ما أكدته أبوعيد التي أشارت إلى أن أبرز سمات شخصية الأبناء تكون الاحترافية في الشعور بالذنب فكل عمل يقوم به الابن أو ينوي القيامِ به يكون مغموراً بالشعور بالذنب.

وأضافت أبوعيد أن “اتخاذ القرارات يترافق بالندمِ ومعاقبة الذات إذا كانت هذه القرارات نابعةً عن قناعات الطفل الشخصية، لأنه ينمو وهو يعتقد دائماً أن كل ما قد يقوم به قد يُسبب الأذى لأمِه وكل ما يحصل لها وله من سوء وجراح فذلك بسببه هو ، لأنه لا يجرؤ أن يعتقد أن أمه قد تكون هي من تَسببَ بذلك”.

وأكدت “يتميز أبناءُ الأم السامة بعدم الثقة بالذاتِ مع عدم القدرة على تأكيد الذاتِ وهذا مقترن بالشعورِ الدائم بالعجزِ والفشل، وعدمِ الاستقلالية، وعدمِ القدرة على التفرد”.

21