اقتصار وسائل منع الحمل على النساء يؤسس لمسؤولية غير متكافئة على حساب المرأة

الخلط بين القدرة الإنجابية والقدرة الجنسية للرجال يعيق مشاركتهم في عملية تحديد النسل.
الأحد 2020/11/22
إلقاء عملية تنظيم النسل على عاتق المرأة يثقل كاهلها

يطرح تكافؤ المسؤوليات في إدارة شؤون الأسرة أن تتحمل كل من المرأة والرجل الالتزام بعملية تنظيم النسل على قدم المساواة، لكن تثبت البيانات والدراسات أن هذه المسؤولية ما زالت تلقى على عاتق المرأة وحدها ما يعرّض صحتها الجسدية والنفسية إلى الخطر، وذلك رغم تطوّر المجال الطبي على مستوى اكتشاف وسائل منع الإنجاب للرجال.

تضمن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة حقها على قدم المساواة مع الرجل في أن تقرر بحرية وبشعور بالمسؤولية تحديد عدد أطفالها والفترة بين إنجاب طفل وآخر، إلا أن مسألة تنظيم النسل ظلت ملقاة على عاتق المرأة وحدها، اعتبارا لعقلية الرجل التي ترفض استعمال وسائل منع الإنجاب الذكورية وتلقي بالمسؤولية على المرأة وحدها ما يرهقها صحيا ونفسيا.

وذهبت دراسة حديثة إلى أن اقتصار وسائل منع الحمل على النساء فقط “يؤسس لمسؤولية غير متكافئة على حساب المرأة التي تتحمل التبعات من أخطار ومضاعفات محتملة”.

وشددت الدراسة على الحاجة إلى وجود طرق لمنع الإنجاب لدى الرجال، إلى جانب الوسائل المتاحة حاليًّا، وهي استخدام الواقي الذكري وقطع القنوات المنوية وحبوب منع الإنجاب للوصول إلى تنظيم أسرة يحقق الشمولية والاستدامة.

يقول لوجان نيكليس، مدير العمليات والبرامج في مبادرة منع الإنجاب عند الرجال “تُعَدُّ حبوب منع الإنجاب بالنسبة إلى الرجال اختيارًا أقل تكلفة، ومن الممكن أن تؤدي إلى تأثير حقيقي في مجال تنظيم الأسرة؛ إذ يكون تأثيرها طويلًا ويمكن عكسه في أي وقت، وبذلك يكون قد أصبحت لنصف المجتمع اختيارات جديدة لم تكن متاحة من قبل”.

في المقابل يلفت الدكتور علاء عبدالعال أستاذ مساعد الذكورة والتناسل بجامعة القاهرة إلى أنه عادةً ما يجري الخلط بين القدرة الإنجابية والقدرة الجنسية للرجال، ما يجعل الحديث عن وسائل منع الإنجاب لدى الرجال أمرًا أكثر تعقيدًا.

ويضيف أنه “بوجه عام لدينا مشكلة في الوعي في مثل هذه الأمور، وكذلك في المعلومات اللازمة لاختيار الوسيلة المناسبة، فهذه الموضوعات لا تزال تمثل تابوهات لا يتم التطرق إليها بشكل كاف”.

ويذهب بعض العلماء إلى اعتبار أن علم تطوير وسائل منع الإنجاب لدى الرجال أكثر تعقيدا من تطوير موانع الحمل بالنسية إلى السيدات، إذ تعمل الحبوب عند الرجال على وقف إنتاج الحيوانات المنوية، بيد أن الوصول إلى مستوى الهرمونات اللازمة لأداء هذه المهمة يمكن أن يسبب آثارا جانبية.

أحمد الأبيض: حبوب منع الإنجاب المخصصة للرجال لم تجد صدى كبيرا
أحمد الأبيض: حبوب منع الإنجاب المخصصة للرجال لم تجد صدى كبيرا

كما توجد عوامل اجتماعية واقتصادية على علاقة بالموضوع، ذلك أن مجال العلوم الإنجابية والطب بشكل أساسي يركزان على جسم المرأة ويهملان الرجل، وقد يعرف الجميع إلى حد كبير ما الذي يفعله طبيب أمراض النساء، بيد أن القليل قد يسمع نوعا ما عن طبيب أمراض الذكورة، وهو طبيب متخصص في الجهاز التناسلي للرجل.

كما أن الأبحاث بشأن حبوب منع الإنجاب لدى الرجال لم تبدأ إلا بعد عقود من بحوث منع الحمل للسيدات فحسب، بل إنها توقفت بسبب نقص التمويل.

هذا فضلا عن أن الرجال أنفسهم لا يتقبلون بشكل كبير الآثار الجانبية المحتملة، وفق ما يؤكده الخبراء. كما يُنظر إلى قدر ثقة المرأة في الرجال الذين يستعملون وسائل منع الإنجاب على أنه عائق آخر.

وقد أثبتت الأبحاث التي أجريت خلال عقود ماضية إلى أن النساء يثقن على الأرجح في شركائهن الرجال من حيث العلاقة طويلة الأجل، لكنهن يترددن في الوثوق بالرجال الذين يستخدمون وسائل منع الإنجاب عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الجنسية العرضية.

ويرى الخبراء أن ثمة افتراضا بأن الرجال لن يستخدموا وسائل منع الإنجاب بما أنه يُنظر إليها على أنها “عمل خاص بالمرأة”.

بدوره يؤكد أحمد الأبيض الخبير التونسي في علم النفس أن الرجال في مختلف أنحاء العالم ليسوا مستعدين لأن يتحملوا أعباء عملية تحديد النسل بأن يخضعوا لعملية منع الإنجاب لما يكمن في أذهانهم من أن ذلك يؤثر على ذكورتهم، متسائلا “ما الذي قدمه الطب من وسائل منع الإنجاب لدى الرجال سوى الواقي الذكري الذي لا تصل نسبة النجاح به إلى 100 في المئة؟”.

وقال الأبيض في تصريح لـ”العرب”، “حتى في الغرب لم تجد حبوب منع الإنجاب المخصصة للرجال صدى كبيرا ولم يتمّ التسويق لها بشكل جيد، ذلك أن الترويج الإعلامي لها كان منقوصا ولم يأت بنتائج فعالة.

وأضاف على عكس الرجل، ليس لموانع الحمل تأثير مباشر على أنوثة المرأة سوى بعض التوتر الذي يمكن التعايش معه.

وتلقي المجتمعات عموما مسؤولية تحديد النسل على النساء فقط ما يعكس تجذر عدم المساواة بين الجنسين.

وتقول نورا سلامة، المسؤولة عن المتابعة والتقييم بمجلس السكان الدولي، في مكتب القاهرة، “إن هناك مشكلة في وضع المرأة بشكل عام، ويبدو هذا جليًّا من خلال عدد من المؤشرات ومنها ما يتعلق بعدم المساواة”. وأشارت إلى أن مصر قد حصلت على المرتبة 131 من بين 155دولة حول العالم وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2015؛ لذا يحتاج الموضوع إلى مدخل شامل ومتكامل يحقق المساواة، وليس مجرد حملات للتوعية.

ويُعَدُّ مؤشر عدم المساواة أداةً لقياس عدم المساواة في ثلاثة مجالات هي الصحة الإنجابية، والتمكين، والحالة الاقتصادية.

وتضيف سلامة أن الأطباء جزء من هذا المجتمع، إلا أن الكثير منهم يناقش موضوع تنظيم الأسرة مع الزوجة بوصفها المسؤولة الوحيدة عن ذلك، لذا نحتاج إلى تغيير في الأفكار والتوجهات، وعلى الجانب الآخر نحتاج إلى تمكين النساء بكافة الأصعدة، وليس فقط في مجال التعليم والوعي؛ حتى تكون قادرةً على اتخاذ القرار وتحمُّل تبعاته.

وساعدت حبوب منع الحمل في تحرر العديد من السيدات خلال العقود الماضية لتأجيل أو منع الإنجاب لصالح الاستفادة من فرص أخرى، مثل التعليم العالي والعمل.

ويعد ذلك أحد أسباب النظر إليها على أنها علامة بارزة في مجال حقوق المرأة، وأحد أبرز ابتكارات القرن العشرين.

بيد أنه مع تحرك المجتمع نحو تحقيق أكبر قدر من المساواة بين الجنسين، من اللافت للنظر أن النساء ما زلن هن اللائي يتعين عليهن تجربة الأعباء العاطفية والاجتماعية والمالية المتعلقة بالوقت لمنع الحمل، ناهيك عن الآثار الجانبية.

آثار جانبية

أكثر أدوات منع الحمل شيوعا لا تخلو من آثار جانبية
أكثر أدوات منع الحمل شيوعا لا تخلو من آثار جانبية 

وفقًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، تستخدم حوالي 60 في المئة من النساء حبوب منع الحمل، أو أي شكل آخر من وسائل منع الحمل الحديثة في جميع أنحاء العالم، وفي المقابل تعول 8 في المئة فقط من النساء على شركائهن في استخدام الواقي الذكري.

وبحسب دراسة أعدتها الأمم المتحدة، فإن أكثر من ثُلث الأزواج في سن الإنجاب في شتى أرجاء العالم لا يستخدمون أي وسيلة لمنع الحمل على الإطلاق. ولكن في حالة الاستخدام، تكون الوسائل المخصصة للسيدات هي الاختيار الأكثر شيوعا.

كما بينت مسوحات الصحة الأسرية في الدول العربية أن الحمل غير المرغوب فيه من الأمور الشائعة في جميع بلدان الشرق الأوسط، وهو يمس جميع الفئات الاجتماعية. وقدرت حالات الحمل غير المرغوب فيها بنحو 85 مليون حالة في العالم، ينتهي نصفها بالإجهاض.

وتعتمد نحو 17 في المئة من النساء المتزوجات أو من هن في علاقة، على التعقيم، وتعتمد 14 في المئة من النساء على استخدام اللولب، و9 في المئة على حبوب منع الحمل، و5 في المئة على الحقن. وقبل انتشار استخدام الحبوب، كان يتعين على الرجال المشاركة في وسائل منع الإنجاب، عن طريق استخدام الواقي الذكري.

وتتحمل النساء الآثار الجانبية لاستخدام موانع الحمل التي تصل في بعض الأحيان إلى حوادث خطيرة.

وقد حذّرت الجمعية الفرنسية “أفيك”، مطلع شهر نوفمبر من العام الماضي، من غرسات منع الحمل، بعدما وقعت شابتان لجأتا إلى زرعها تحت الجلد ضحيتين “لحوادث خطيرة” مرتبطة بها، إذ انتقلت هذه القطع الصغيرة إلى رئتيهما.

وقالت الوكالة الفرنسية للأدوية، “حتى الآن جرى الإبلاغ عن 30 حالة انتقال لغرسات منع الحمل إلى الشريان الرئوي”، موضحة، “في كل عام، تلجأ حوالي 200 ألف امرأة” إلى هذه الوسيلة لمنع الحمل، لافتة إلى أنه منذ العام 2016، تم تعزيز المراقبة وتدريب المهنيين والعاملين في مراكز مخصصة بهدف تفادي الحوادث الخطيرة، ورغم تلك التدابير، ما زال يعلن عن حالات مماثلة.

كما قامت الوكالة الفرنسية بمبادرة على المستوى الأوروبي في يوليو 2019 من أجل تحسين هذا الإجراء.

من جهتها نبهت مجلة “جولي” الألمانية من الآثار الجانبية لحبوب منع الحمل التي تعتبر من أكثر أدوات منع الحمل شيوعا في العالم.

ولفتت إلى أنه في حالات نادرة تعرضت بعض النساء بسبب هذه الحبوب إلى حالات تخثر الدم وانسداد الأوعية الدموية. وقد توصلت دراسة أجرتها الوكالة الأوروبية للأدوية إلى أن الجيلين الثالث والرابع من هذه الحبوب هما الأكثر تسببا في هذه المخاطر، مقارنة بالأنواع القديمة.
وأوردت المجلة أن هناك أضرارا أخرى يمكن أن تعاني منها المرأة عند تناول الحبوب بانتظام، وهي تختلف من منتج إلى آخر، إلا أن الأكثر انتشارا هي الصداع النصفي و تقلب المزاج و تدفق الدم بين مواعيد الدورة الشهرية، وتقلبات في الوزن والغثيان، وضيق في الصدر، إضافة إلى التقليل من الرغبة الجنسية وتزايد خطر الإصابة بتجلط الدم وخطر الإصابة بالسرطان والانسداد الرئوي.

ويشير الخبراء إلى أنه رغم تعدد وسائل منع الحمل وتنوعها وكمّ الأبحاث والدراسات التي يعكف أصحابها على التقليل من المخاطر التي تحف بالمرأة، فإنها لم تقف حائلا دون دفع النساء في جميع أنحاء العالم ضريبة تحديد النسل بسبب المخلفات السلبية لهذه الوسائل.

إعادة التوازن

الرجال في مختلف أنحاء العالم ليسوا مستعدين لأن يتحملوا أعباء عملية تحديد النسل بأن يخضعوا لعملية منع الإنجاب لما يكمن في أذهانهم من أن ذلك يؤثر على ذكورتهم
الرجال في مختلف أنحاء العالم ليسوا مستعدين لأن يتحملوا أعباء عملية تحديد النسل بأن يخضعوا لعملية منع الإنجاب لما يكمن في أذهانهم من أن ذلك يؤثر على ذكورتهم

وفقا لقائمة وصفات مسجلة خاصة بتحديد النسل قديما، كانت المرأة تستخدم العسل وأوراق الطلح والكتان لوضعها في المهبل منعا لدخول الحيوانات المنوية، كما أن بعض الأخبار تقول إن النساء لجأن أيضا إلى التخلص من احتمال الحمل بوضع جذور الزنبق والسذاب في المهبل، بالإضافة إلى قتل المولود بعد الولادة.

وعلى الرغم من ذلك فإن أدوار الجنسين تتغير مع مرور الزمن، وسيكون الرجال أكثر عرضة للمشاركة في مسؤوليات الأسرة ورعاية الطفل.

وقد تمتد عملية إعادة التوازن هذه إلى وسائل تحديد النسل، حيث تشير الدراسات إلى أن الرجال الأصغر سنا هم الفئة المرجحة لاعتبار ذلك على أنه مسؤولية مشتركة.

ومن المرجح أيضا أن تكون مجموعات معينة من الرجال، ولاسيما تلك الفئة الأكثر تعلّما وفئة الأثرياء والذين يقللون من أهمية الأدوار التقليدية للجنسين، أكثر دعما لوسائل منع الإنجاب لدى الرجال، بل حتى حريصة عليها.

وعلى الرغم من الترحيب بالفكرة، فإن توافر حبوب منع الحمل بالنسبة إلى الرجال على نطاق واسع لن يكون دليلا على استخدامها، وهي مشكلة رصدها الخبراء أيضا مع معدلات التعقيم.

وعلى الرغم من أن استئصال القناة المنوية للرجال معروف منذ نحو 200 عام، إلا أن تعقيم السيدات هو الأكثر شيوعا بعشرة أضعاف على مستوى العالم، وإن كان أقل فعالية وأكثر تكلفة وأكثر عرضة لحدوث مضاعفات. ويعد تعزيز المساواة بين الجنسين خطوة أولى ضرورية في إزالة الحواجز الاجتماعية والاقتصادية التي تعترض طريق تطوير وسائل منع الحمل للرجال.

وتطرح عملية تحديد النسل بقطع النظر عمن تلقى عليه تحمل مسؤوليتها، سواء كانت المرأة أو الرجل، تحديات أمام حكومات الدول التي ما زالت غير قادرة على مجابهة الارتفاع الهائل لعدد السكان.

ولا تزال استراتيجية بعض الدول وخصوصا العربية في مواجهة الزيادة السكانية بعيدة عن أرض الواقع، وترتكز على خطط لا تتناسب مع التحديات الفعلية، المرتبطة بالمعتقدات المتجذرة لدى الأسر، والمتعلقة بكيفية إقناع الأهالي بحتمية خفض معدلات الإنجاب.

ويمكن بسهولة اكتشاف حجم مخاطر الإنجاب العشوائي في دول مثل مصر وسوريا والعراق والأردن والسعودية، لأن عدد السكان يتضاعف تقريبا كل نحو ثلاثين عاما، وقد تجاوزت مصر المئة مليون نسمة، في حين أنه خلال منتصف السبعينات كان التعداد لا يتجاوز نصف هذا العدد تقريبا.

وحسب دراسات بحثية واقتصادية، من المتوقع أن يصل عدد سكان الدول العربية إلى 650 مليون نسمة بعد نحو عشر سنوات، في حالة استمرار المعدلات الحالية للإنجاب دون تحرك حكومي قوي، وهو رقم ضخم يتحدى التحسن النسبي في معدلات التنمية بدول تعاني من أزمات اقتصادية طاحنة.

ويصعب فصل الزيادة السكانية المطّردة عن المعتقدات الدينية والاجتماعية الراسخة في أذهان الأسر، وهو ما تنبهت إليه تونس ولبنان بتركيز جهودهما على ضرب المعتقد الديني حول زيادة معدلات الإنجاب.

وتدفع كثير من النساء ضريبة مجحفة للحد من النمو الديموغرافي في جميع أنحاء العالم رغم التقدم الطبي والعلمي، على حساب صحتهن الجسدية والنفسية، لأن مسؤولية الحد من النسل مرمية على عاتقهن وهن مرغمات على التأقلم مع الآثار الجانبية لوسائل منع الحمل، في مجتمعات ذكورية غالبيتها أبدت رفضا لتغيير الهوية الجنسية بغير حبوب منع الحمل.

20