اتحاد الشغل ينسى كونه منظمة نقابية أولا وأخيرا

بطبيعة الحال تبقى المسألة المعيشية للمواطن المكتوي بغلاء الأسعار هي الجبّة التي ترتديها كل الأطراف السياسية والحزبية والنقابية والحقوقية في تونس ويصعب التفريق بين من هو جدي وصادق، ومن هو مدّع مزايد.
الاثنين 2022/08/08
الاتحاد يمارس السياسية.. الحقيقة التي لا تقبل الجدال

لا يختلف اثنان في أن الاتحاد العام التونسي للشغل، يُعد من أعرق وأقوى المنظمات النقابية في العالم، لما له من دور تاريخي في الحركة الوطنية وآخر طليعي في النضالات الاجتماعية بل وإشعاع دولي في مساندة قوى التحرر في العالم.. ولكن ماذا بعد؟

هل أن كل هذه الاعتبارات الوازنة تعطيه نوعا من “المعصومية” أو تجعل منه قوة عابرة للأحزاب والحكومات والمنظمات؟

 ماذا يريد الاتحاد الآن أو بالأحرى ماذا تريد قياداته التي بدأت بالاختلافات المعلنة في ما بينها، بعد أن كانت خلف المكاتب المغلقة في ساحة محمد علي التاريخية أو حتى الآن في شارع الولايات المتحدة؟

بدا موقف المنظمة الشغيلة التونسية مرتبكا في ظل اختلافات جوهرية في داخله، وإزاء أزمات تتفاقم في البلاد رغم ما يرافقها من انفراجات سياسية بعد النتائج الكاسحة المتعلقة بالموافقة حول الاستفتاء على الدستور الجديد؟

أين ذاك الوضوح بين قواعده وأين تلك المسؤولية في إدارة الحوارات الوطنية قبل مجيء الرئيس قيس سعيد وإجراءاته الحاسمة بعد إقالة الحكومة وحل البرلمان العام الماضي، أم أن الاتحاد قد أصيب بنوع من “الهمهمة” جعلته يتردد في الحكم على مدى صوابية ما ذهب إليه الرئيس.

التذبذب في المواقف كان عنوان الأشهر الأخيرة لدى اتحاد الشغل، فبعد التصعيد الذي اتخذه ضد الرئيس وحكومة نجلاء بودن بإعلانه عن الإضراب العام الذي شل البلاد في السادس عشر يونيو الماضي حتى خلناه حليفا لحركة النهضة ومن معها من أحزاب، عاد الاتحاد لتدوير الزوايا وإعلانه على لسان أمينه العام نورالدين الطبوبي، بأن موقفه من الاستفتاء على الدستور يتعلق بالحريات الشخصية ثم عاد بعد النتائج الحاسمة للاستفتاء لمغازلة الحكومة دون التخلي عن “لاءاته” في ما يخص تجميد الأجور ورفع الدعم عن بعض المواد كما يطلب صندوق النقد الدولي، لكنه بدا يتحدث بلكنة “قيسية” في إدانته للقاء أحزاب سياسية بشخصيات ومنظمات أجنبية.

المسألة المعيشية للمواطن المكتوي بغلاء الأسعار، تبقى هي الجبة التي ترتديها كل الأطراف السياسية والحزبية والنقابية والحقوقية في تونس.. ويصعب التفريق بين الجدي الصادق، والمدّعي المزايد

أما كان الأجدر بمنتسبي الاتحاد ومناضليه أن يسألوا قياديي منظمتهم: لماذا تأخذوننا نحو طريق ملتوية.. أما كان الأجدر بكم أن تريحونا من تعب الأعصاب هذا، خصوصا وأنكم لا تمثلون حزبا يمارس السياسة ذات الطبيعة المتقلبة؟

الحقيقة التي لا تقبل الجدال هي أن قيادة الاتحاد تمارس السياسة ولعل أكبر دليل على ذلك هي الخلافات بين أعضائها وهيئاتها، بالإضافة إلى السعي نحو تشاركية صريحة مع الحكومة ضمن التهيئة لحوار لا يكتفي بالشأن الاجتماعي المحض.

التدخل بالشأن السياسي للحكومات المتعاقبة منذ أيام الزعيم الحبيب بورقيبة يبرره الاتحاد بمشروعيته التاريخية في الحركة الوطنية وبناء دولة الاستقلال.. وهذا أمر يقتنع به جميع التونسيين الذين لا يتجرأ أحد منهم على القول للاتحاد: الزم حدودك النقابية أسوة بباقي البلدان الأوروبية.

لسنا هنا في معرض الحديث عن “نقابة حمراء” أو تجارب شبيهة في بلدان أخرى، لكن الاتحاد العام التونسي للشغل قد تخطى أحيانا الدور الوطني المتعلق بالخيارات الإستراتيجية الكبرى للدولة إلى ما يشبه التمترس الحزبي الذي من شأنه أن يهدد وحدته، ذلك أن الأحزاب قد تهرم وتترهل وتنخرها الخلافات، أما المنظمات فإنها وجدت كي تبقى وتدوم.

ولكي يبعد الأمين العام للاتحاد عن نفسه شبهة الوقوع في المناورة السياسية أو تمثل الأحزاب في الحديث عن برامج انتخابية، عمد إلى مسك العصا من الوسط مؤكدا على أن ما يشفي تونس من أزماتها ليس الاكتفاء بكلمتي نعم أو لا، وإنما الاحتكام إلى “خطة إنقاذ”.. هذه الكلمة التي يحلو لمعارضي قيس سعيد استخدامها وهم يعرفون أنه شديد الحساسية منها.

وفي هذا السياق ذكّر الطبوبي بأن اتحاد الشغل قدم منذ سنة 2020 مبادرة إلى رئيس الجمهورية تتعلق بالمسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية بهدف الخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية المستفحلة في البلاد.

وفي عبارة شبهها أحد المراقبين السياسيين في تونس بكلام بعض المعتدلين من المعارضة في حركة النهضة، يقول القيادي النقابي “إمكانية التدارك اليوم لا تزال ممكنة، شريطة إحكام العقل، مع ضرورة النظر بعُمق إلى كل المسائل”.

وبطبيعة الحال، تبقى المسألة المعيشية للمواطن المكتوي بغلاء الأسعار، هي الجبة التي ترتديها كل الأطراف السياسية والحزبية والنقابية والحقوقية في تونس.. ويصعب التفريق بين الجدي الصادق، والمدّعي المزايد.

وأمام هذه البورصة السياسية والحزبية التي لا يمكن تنزيه المنظمة النقابية منها، تمضي إجراءات قيس سعيد وتوصياته بردع ومعاقبة المتورطين في انتظار ما ستؤول إليه الأمور بين سعيد والطبوبي، والبلاد التونسية عموما.

9