إغلاق منشآت النفط في ليبيا لمواجهة فساد الوفاق ومرتزقة الأتراك

قرار إغلاق حقول ومنشئات النفط يعيد ضبط خارطة التأثير بتسليط الضوء على دور القبائل الليبية كطرف فاعل في مواجهة تجاوزات وفساد حكومة الوفاق.
الخميس 2020/01/23
خطوة تعيد خلط الأوراق

في وقت تتعدد فيه المبادرات الدولية وآخرها مؤتمر برلين لحل الأزمة الليبية والمنعقد مباشرة بعد التمادي التركي في البلد بتوقيع اتفاقية استعمارية جدية مع حكومة الوفاق أو إرسال أنقرة لمرتزقة إلى العاصمة طرابلس، أعلنت قبائل وازنة في ليبيا عن وجودها بقوة فارضة نفسها كطرف مؤثر في خارطة الموازين عبر إغلاق حقول وموانئ النفط بدعم شعبي هدفه الرئيس مواجهة فساد حكومة الوفاق وكذلك ردع مرتزقة الأتراك.

تونس - أثّرت ورقة الضغط، المرتبطة بإنتاج النفط، التي حركتها مجموعة وازنة من القبائل في ليبيا في مجرى التعامل الدولي مع الأزمة في بلادهم. ولا يمكن ربط قرار مجلس الأمن الدولي، الصادر الثلاثاء، بضرورة وقف إطلاق النار والتوصل “في أقرب وقت ممكن” إلى حلّ يتيح إحياء العملية السياسية، فقط بمخرجات مؤتمر برلين حول ليبيا، بل يمكن تنزيله أيضا في إطار جدية الحراك القبلي الشعبي والذي ترجم عبر إغلاق حقول ومنشئات النفط في أغلب مناطق البلاد.

جاءت هذه الخطوة ضمن سياق إقليمي دولي مناسب من حيث مساعي الضغط على تركيا، خصوصا في ما يتعلق بخططها التوسعية في البحر المتوسط. كما أعادت ضبط بوصلة خارطة التأثير داخل ليبيا بتسليط الضوء على دور القبائل المؤثر، والذي يتجاوز حاجز الميليشيات وما تمارسه من ترهيب وضغط.

وكان هذا القرار رسالة عبّرت عن رفض الليبيين للمنحدر الخطير الذي بلغته الأزمة في بلادهم، بعد أن أصبح المرتزقة المستقدمون من قبل النظام التركي يصولون ويجولون وسط طرابلس ويتقدمون لاستهداف قوات الجيش الوطني مقابل أجور مجزية يحصلون عليها من إيرادات الثروة النفطية الليبية. كما استهدفت الرسالة الدول التي يغازلها رئيس حكومة الوفاق فائز السراج عبر دبلوماسية الصفقات والعقود لشراء المواقف الداعمة.

ورقة ضغط

وصل صوت الليبيين إلى العالم، الجمعة الماضي، قبل يومين من انعقاد مؤتمر برلين، عندما أغلقوا حقول ومنشئات النفط في أغلب مناطق البلاد. وجاء ذلك عندما وجهت قبائل المنطقة الشرقية رسالة مضمونة الوصول إلى مؤتمر برلين قبل يومين من انعقاده.

وأعلنت القبائل في بيان لها أن الأموال المتدفقة من إنتاج النفط يستخدمها فائز السراج لوقف تقدم الجيش الوطني الذي يخوض حربه ضد الإرهاب ولتطهير المدن من الميليشيات. وأكدت أنها ترفض اتفاقية السراج مع تركيا، مطالبة المجتمع الدولي بإلغاء الاعتراف بحكومة الوفاق.

وسرعان ما وجدت تلك الخطوة تجاوبا من «حراك فزان» الذي أعلن غلق حقل الشرارة، وهو أكبر حقول النفط في ليبيا بإنتاج يومي يبلغ نحو 300 ألف برميل، وحقل الفيل الذي ينتج نحو 70 ألف برميل يوميا.

إغلاق المنشئات النفطية جاء ليلفت نظر العالم إلى أن حكومة فائز السراج ليس لها تأثير، وهي غير قادرة على الإيفاء بأيّ التزامات تُبرم معها

وفي غرب البلاد، قال مجلس مشائخ ترهونة «لا يمكن أن نسمح بأن تصبح بلادنا مرتعا للمرتزقة ونحن قادرون على منع ذلك».

ودعا المجلس كافة القبائل الليبية إلى أن تلتحم بالقبائل العربية في الشرق، وأن تقف معها صفا واحدا لحماية مقدرات البلاد مما وصفوه بـ”عبث حكومة الميليشيات”.

كما أعلن الحراك المدني بمدينة الزنتان تأييده للتحرك الشعبي المدني والاجتماعي لإيقاف ضخ وتصدير النفط والغاز. وأعرب في بيان له عن غضبه من ممارسات المجلس الرئاسي وعبث حكومته التي وصفها بغير الدستورية بمقدرات وثروات ليبيا النفطية. وأدان التمويل الذي تتلقاه الميليشيات المسلحة بالسلاح والذخيرة والمال من دخل ليبيا القومي والوحيد (النفط).

ودعا الحراك القوات المسلحة بحماية الجماهير الغاضبة التي قال إنها صاحبة القرار ومصدر التشريع والسيادة، مؤكدا على التحرك العاجل من كافة شرائح الشعب الليبي المدنية والاجتماعية لإغلاق وإيقاف مصادر ضخ وتصدير النفط.

وأوقفت إدارات شركة سرت للنفط والهروج للعمليات النفطية والواحة للنفط والزويتينة للنفط والخليج العربي للنفط، وهي شركات تابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، إنتاج وتصدير النفط. وإلى جانب حقلي الفيل والشرارة في منطقة الجنوب الغربي، تم إغلاق موانئ الحريقة والبريقة والزويتينة والسدرة وراس لانوف، في شرق البلاد، وقطع أنابيب النفط من حقل الحمادة إلى مصفاة الزاوية الواقعة في غرب طرابلس.ووفق متحدث باسم المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، سينخفض إنتاج النفط إلى 72 ألف برميل يوميا خلال أيام قليلة إذا استمر إغلاق منشآت نفطية. وقال المتحدث إن إنتاج ليبيا كان أكثر من 1.2 مليون برميل يوميا قبل أن تُغلق الموانئ والحقول نفطية.

يد واحدة ضد استغلال حكومة الوفاق لمقدرات الشعب الليبي
يد واحدة ضد استغلال حكومة الوفاق لمقدرات الشعب الليبي

وأعرب يوسف العقوري، رئيس لجنة متابعة أداء المؤسسة الوطنية للنفط بمجلس النواب، عن قلقه من تأثير التراجع في إنتاج النفط على الاقتصاد الليبي، ومن الأضرار التي قد تلحق بحقول النفط نتيجة ذلك الإغلاق، محمّلا حكومة الوفاق والمجتمع الدولي مسؤولية ذلك.

وأوضح أنه سبق لهم وأن طالبوا بعثة الأمم المتحدة في العديد من المناسبات بإدراج هذا الأمر ضمن أولوية الملفات التي يجب العمل عليها دون جدوى.

ويرى المراقبون أن إغلاق الحقول والمنشئات النفطية جاء ليلفت نظر العالم إلى أن حكومة السراج المعترف بها دوليا ليس لها تأثير على أكثر من 90 بالمئة من مساحة البلاد، وهي غير قادرة على الإيفاء بأيّ التزامات تبرم معها، بما في ذلك العقود المتعلقة بالصناعة النفطية، عكس الحكومة المؤقتة المنبثقة عن مجلس النواب، التي تعتبر الغطاء السياسي للجيش الوطني، وتبسط نفوذها على الأغلبية الساحقة من مساحة البلاد، باستثناء بعض مدن الساحل الغربي كمصراتة وزليتن والزاوية وزوارة وأحياء من طرابلس.

أمام هذا المأزق، لم تجد حكومة الوفاق والمؤسسة الوطنية للنفط غير اتهام القيادة العامة للقوات المسلحة بالوقوف وراء الحراك الشعبي، من أجل الحصول على مكاسب سياسية، وهو ما نفته مصادر قبلية أكدت أنه تبين لها أن العالم لا يأبه بمواقفها الاحتجاجية ضد سلطات طرابلس والتدخل التركي وجلب المرتزقة وتبديد الثروة، ولم ينتبه إلى مسيرات الليبيين الحاشدة.

وأضافت المصادر أن العالم فتح عينيه على الوضع الليبي فقط عندما تعلق الأمر بالنفط.

وأوضح اللواء أحمد المسماري، الناطق باسم القيادة العامة للقوات المسلحة، أن الشعب الليبي هو من أغلق موانئ النفط، ولم يكن أمام الجيش إلا احترام موقف الليبيين وحماية تحركهم الذي تبنته مجالس القبائل الليبية والمجالس المدنية.

مأزق الوفاق

العالم فتح عينيه على الوضع الليبي فقط عندما تعلق الأمر بالنفط
العالم فتح عينيه على الوضع الليبي فقط عندما تعلق الأمر بالنفط

كما بيّن يوسف العقوري أن إغلاق الحقول والمنشئات النفطية هو امتداد لحراك شعبي يطالب بالعدالة في توزيع عائدات النفط بين مناطق ليبيا والاهتمام بالمناطق المنتجة للنفط والغاز.

واستنجد السراج بالخارج داعيا القوى الأجنبية إلى الضغط على الجيش الليبي لإنهاء “حصاره لحقول النفط”. وقال في تصريحات صحافية إنه يرفض ربط إعادة فتح الموانئ بإعادة توزيع إيرادات النفط على الليبيين.

ولفت نائب رئيس مجلس الدولة الاستشاري محمد معزب، إلى أن طلب السراج من مؤتمر برلين الأحد الماضي إيجاد “قوة حماية دولية”، يأتي على خلفية إغلاق الحقول النفطية، وأن هذه القوة التي تحدث عنها تكون مهمتها حماية آبار النفط والحقول، لافتا إلى أن السراج سبق مؤتمر برلين بالتصريح لدعوة المجتمع الدولي للتدخل ومنع إغلاق النفط الذي يعد المصدر الأساسي للدخل القومي الليبي.

لا شكّ أن هذا التحرك وضع حكومة الوفاق أمام مأزق المواجهة مع القبائل، الذي يصعب إيجاد حل له، مهما استنجدت بتركيا ومهما كانت يد ميليشياتها باطشة. أظهرت الالتفاف حول القرار قوة قبلية كانت غائبة، خاصة بعد أن سعت أطراف عديدة متدخلة الصراع في ليبيا، في الداخل والخارج، إلى اللعب على تعدد القبائل وتوزع الولاءات القبلية بين التحالفات المنقسمة في الشرق والغرب بل وانقسام الولاءات تلك داخل نفس القبيلة.

لكن، عبر الخطوة الأخيرة، توحد الصوت القبلي، معبرا عن غضب من عدم الانتباه إلى الحجم الديمغرافي للقبائل في ليبيا وتأثيرها الفعلي على الأرض، ومن تغييبها المتعمد عن كل الاجتماعات والحوارات التي تتعلق بمصير البلاد، وكذلك من نبرة العنصرية وخطاب الكراهية الذي يستهدفها من قبل وسائل الإعلام والجيوش الإلكترونية التابعة لجماعة الإخوان والأجهزة المرتبطة بحكومة الوفاق أو بالميليشيات الجهوية في مصراتة.

7