إطالة الاختصار

يبدو أن تقنيات الاتصالات الحديثة قد أفقدتنا متعة التشويق والانتظار، وصعبت على كتاب الدراما مهامهم فلم يعودوا بحاجة إلى فبركة الأحداث وحشو الأوقات وصناعة المفاجآت وكسر التوقعات.
الثلاثاء 2022/08/02
الحياة البطيئة والأحداث المتسارعة خطان متوازيان

 أيام كانت الحياة بالأبيض والأسود، كنا نتابع مسلسلا من ثلاثين حلقة في ثلاثين أسبوعا.

وكان الناس يؤرخون لحياتهم العامة والخاصة بأحداث المسلسل الواحد، كأن يقال فلانة كانت حاملا بابنها في الشهر الرابع يوم ركب متولي القطار من صعيد مصر لملاقاة ابن عمه شفيق في القاهرة أو تزوج فلان في الحلقة التي تاه فيها متولي وهو يبحث عن ابن عمه في زحمة شوارع مصر.

وكنا نستفيق عند الثالثة صباحا بالتوقيت المحلي لمشاهدة منازلة محمد علي كلاي لأحد خصومه على حلبة الملاكمة. وكانت أمي تدعو له بالفوز في صلاة الفجر.. وكان الله يستجيب لدعائها في كل مرة.

باختصار، كانت الحياة تسير هادئة وبطيئة كحمار متولي قبل أن يركب القطار في صعيد مصر. أما الأدهى من ذلك كله أننا كنا صبورين هنيئين وغير مستعجلين.

نتحمل حلقة كاملة ينتظر فيها متولي القطار، وأخرى وهو يستقل القطار مع دجاجاته وسلة بيضه، وحلقتين كاملتين وهو تائه في شوارع مصر المحروسة. وكان علينا أن ننتظر الحلقة الأخيرة حتى يلتئم فيها الشمل، يلتقي متولي بأخيه ويتزوج من ابنة عمه محاسن في عرس صعيدي حاشد.

كيف سيتلقى الكتاب والممثلون والمخرجون والفنيون أجورهم إن اختصروا حياة شخصياتهم في ثلاثين ثانية؟

يحدث كل ذلك في عصر الاتصالات المتعطلة والقطارات البطيئة والإيقاع السلحفاتي الذي كانت تبني عليه الدراما أمجادها.

لا موبايل يختصر المسافات، لا إنترنت، لا تويتر، لا فيسبوك، لا تيك توك، ولا من يحزنون.

كل ما حدث لمتولي بين القرية والمدينة طيلة ثلاثين حلقة، وكل ما تكبدناه من انتظارات مدة ثلاثين أسبوعا، كان يمكن اختصاره في ثلاثين ثانية بمنطق العصر الحديث وتقنياته المذهلة في الاتصالات.

ومن يدري.. فلربما يقع اختصاره بأكثر من بضع ثوان في العصور القادمة.. وماذا بعد؟

ماذا سنفعل بما تبقى من الوقت إن سافر متولي إلى القاهرة والتقى بابن عمه وتزوج من محاسن في بضع ثوان، بل بماذا سوف ينشغل كتاب الدراما ومن أي باب سيأتيهم رزقهم؟

يبدو أن تقنيات الاتصالات الحديثة قد أفقدتنا متعة التشويق والانتظار، وصعبت على كتاب الدراما مهامهم فلم يعودوا بحاجة إلى فبركة الأحداث وحشو الأوقات وصناعة المفاجآت وكسر التوقعات.

ماذا نفعل بوقتنا الضائع إن اكتفينا بقصار الأفلام والأغاني والقصص والأشعار؟

كيف سيفرح متولي بلقائه بابن عمه وزواجه من محاسن إن اختصرت حياته في ثلاثين ثانية؟

والأكثر من ذلك كله، كيف سيتلقى الكتاب والممثلون والمخرجون والفنيون أجورهم إن اختصروا حياة شخصياتهم في ثلاثين ثانية؟

ذكرني الأمر بالعاطلين عن العمل في بلادنا، يقلدون الأوروبيين في شرب قهوة الإسبرسو، يرتشفونها على جرعة أو جرعتين ثم يجلسون وهم يحدقون في الفراغ، بينما يقصد الأوروبيون أعمالهم مسرعين.. اشربوها على مهلكم فليس أمامكم ولا وراءكم شيء.

20
مقالات ذات صلة