إضراب ولكن يُشك في نزاهته

من الغريب أن يظهر الاتحاد بمظهر الجهة التي تفرض إرادتها خارج المصلحة الوطنية، وهو أحد أهم الأطراف التي تُلقى عليها مسؤولية ما سيقود إلى المرحلة المقبلة.
الأحد 2022/06/19
حينما يحيد النقابي عن دوره

ليس الحدث أن يقوم الاتحاد العام التونسي للشغل بشل الحياة في تونس. ذلك ما كان متوقعا. الحدث لو أنه حصل، أن يقوم الاتحاد المذكور بمراجعة سياساته من أجل تفهم موقف الحكومة المضطرة إلى إجراء إصلاحات من أجل الوصول إلى حلول لإنهاء الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد.

من خلال إصراره على تنفيذ الإضراب يبدو الاتحاد كما لو قد خطط لأمر يقع خارج المطالب المعلنة التي لن تكون الحكومة قادرة على تلبيتها. ومن الغريب فعلا أن يظهر الاتحاد بمظهر الجهة التي تفرض إرادتها خارج المصلحة الوطنية التي كان الأولى به أن يخصها بقدر كبير من الاهتمام وهو طرف في الحوار الوطني. بل هو أحد أهم الأطراف التي تُلقى عليها مسؤولية ما سيقود إلى المرحلة المقبلة.

ما تشهده تونس بعد إجراءات الرئيس قيس سعيد هو أشبه بولادة تونس جديدة بعد عشر سنوات أشاعت فيها حركة النهضة الفوضى في كل نواحي الحياة. وهو ما يعني أن هناك تونس جديدة توشك أن تظهر في منأى عن ركام من الأخطاء الممنهجة وفق سياسة إخوانية كانت تهدف إلى استلاب استقلالية الدولة والانتقاص من سيادتها. فهل اتحاد الشغل ضد تونس الجديدة أم هو معها؟

◙ لم تُسرق الثورة، بل تم تزويرها. كان على الاتحاد العام التونسي للشغل أن يكون أكثر دراية بما يمثله موقفه في هذه المرحلة الحرجة

ذلك السؤال صارت الإجابة عنه ضرورية في هذا الوقت العصيب الذي يحاول الرئيس سعيد فيه أن يكون واضحا في مواجهة الأحزاب التي سرقت الزمن وجعلت الشعب يدور في الفراغ في محاولة منه لفهم ما يجري له ومن حوله، في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب تعبر عن تعطشها للسلطة بطرق لم تكن الدولة التونسية حاضرة في واحدة منها ولم يكن الصراع على الحكم يضع مبدأ خدمة الشعب في مكانه.

أما كان في إمكان قيادة الاتحاد أن تصبر قليلا قبل أن تورط جمهورها العريض في صراع سياسي هو في حقيقته تجسيد لمعركة الدولة ضد قوى اللادولة التي عاثت بمؤسسات الدولة فسادا عبر عشر سنوات، لم تكن الثورة فيها إلا ستارا مضللا؟ ولو قامت حكومة سعيد بتلبية المطالب النقابية على حساب حقيقة ما تعيشه الدولة من وضع مالي عصيب أكان ذلك حلا مريحا وهو سيؤدي إلى إحباط محاولة التخلص من هيمنة الأحزاب التي ستؤدي بتونس إلى الدخول في نفق مظلم لا يمكنها الخروج منه بعد أن تتحول إلى دولة فاشلة.

أخطأت قيادة الاتحاد حين قررت الرهان على المجهول. وهو رهان لا يليق بها، كونها مسؤولة لا عن حياة مليون شخص هم منتسبوها، بل عن حياة الملايين الذين يشكلون القاعدة التي انقلب من أجلها الرئيس سعيد على الأحزاب في محاولة منه لكي تسترجع تونس صورتها، دولة ضرورية في المنطقة تخدم نفسها بنفسها ولا تنخرط في خدمة أجندات تقع خارج حدودها. هي الدولة المستقلة التي تحتضن مواطنيها وتفتح أمامهم سبل الرزق الحلال.

نجح الاتحاد العام التونسي للشغل في تعطيل الحياة في تونس. ذلك انتصار يُحسب للقوى التي تضررت بإجراءات الرئيس سعيد. وهي قوى مضادة لثورة التونسيين وكارهة لاستقرارهم الاقتصادي ونمو سبل العيش في بلادهم. بهذا المعنى يكون الاتحاد قد وقف مع الأحزاب وهي تسعى لإفشال محاولات الرئيس سعيد لتحرير تونس من عبئها الثقيل الذي سد أبواب التغيير الذي ينتظره الشعب.

فليس معقولا أن لا يكون الشعب قد تعلم درسا من سنوات عشر كانت الطبقة السياسية فيها تمارس الضحك الممنهج عليه باسم الثورة. أية ثورة تلك التي استلمتها حركة النهضة لتحول تونس من خلالها من دولة مستقلة إلى ولاية إخوانية ولينشغل الشعب بمباريات الملاكمة التي تجري تحت قبة البرلمان في ظل حرية زائفة ولتدمر أسس الحياة المدنية في الطريق إلى العودة إلى ما يُسمى بأسلمة المجتمع.

لم تُسرق الثورة، بل تم تزويرها. كان على الاتحاد العام التونسي للشغل أن يكون أكثر دراية بما يمثله موقفه في هذه المرحلة الحرجة. بدلا من الاستعراض الرخيص كان عليه أن يدعو إلى الإسراع في بناء تونس الجديدة التي تقوم على القانون. لقد فتح الرئيس التونسي أبواب الحوار ولم يستثن منه إلا الأحزاب التي أضرت بالشعب التونسي. وكان الاتحاد العام التونسي للشغل واحدا من أهم الأطراف المعنية بذلك التغيير الثوري. أما أن يلجأ الاتحاد إلى الإضراب استعراضا لقوته فإن ذلك يفتح الباب على الكثير من الأسئلة المريبة التي لا يتمنى المرء أن تكون صحيحة.

5