أوروبا لا تملك الأوراق التي تريدها إيران

لا يمكن لأي شركة أوروبية كبيرة أن تضحي بمصالحها الكبيرة مع الولايات المتحدة للتعامل مع إيران.
الثلاثاء 2019/06/18
أوروبا لن تجازف بعلاقاتها مع الولايات المتحدة

تكشف التحذيرات الإيرانية حجم الاختناق الاقتصادي ومحاولاتها المستميتة للتعلق بسراب الحصول على طوق نجاة من الاتحاد الأوروبي، الذي لا يملك الأوراق الاقتصادية التي تريدها طهران.

وتزايدت مشاكسات إيران خطورة بعد الهجمات المتكررة على الناقلات البحرية والتلويح بالتنصل عن التزاماتها بموجب الاتفاق النووي إذا لم تستجب أوروبا لمطالبها. وقد اختزل الرئيس الإيراني حسن روحاني ذلك بالقول أمس إن “الفرصة الزمنية المتاحة أمام الأوروبيين للتعويض قصيرة للغاية”.

لكن الاحتقان الإيراني يغفل أن أوروبا لا تستطيع تخفيف اختناقها الاقتصادي مهما كانت الإرادة السياسية، التي حاولت بالفعل وأدركت سريعا أن معارضتها لواشنطن لن تقدم شيئا ملموسا على الأرض.

وقد بدا ذلك واضحا في ردود فعل الأوروبيين التي تجاهلت المطالب الإيرانية وركزت فقط على تحذيرها بشدة من خرق الاتفاق النووي المبرم منتصف عام 2015.

وقال وزير الخارجية الألماني أمس إن دول الاتحاد الأوروبي “لن تقبل أي تخفيض من جانب واحد لالتزامات الاتفاق النووي” متجاهلا مطالب طهران بتخفيف وطأة العقوبات الأميركية.

ويتعلق الجدل بالآلية التي أنشأها الاتحاد الأوروبي لتسهيل المعاملات مع إيران، والتي تبين أنها عقيمة وتستند إلى أسس هشة لمقايضة السلع بصادرات النفط الإيراني، التي تقترب من التلاشي والتوقف التام.

وتكمن المشكلة الأكبر في أن بروكسل لا يمكن لها إجبار الشركات الأوروبية الكبرى على التعامل مع إيران وتعريض مصالحها الكبيرة مع الولايات المتحدة للخطر في مقابل مصالح ضئيلة محفوفة بالمخاطر مع إيران.

قد تفكر بعض الشركات الأوروبية في استخدام الآلية للتعامل مع إيران، إذا كانت لا تخشى التعرض لعقوبات واشنطن بسبب عدم امتلاكها لأي مصالح في الولايات المتحدة.

ويمكننا أن نتخيل الحجم الضئيل لتلك الشركات، التي لا تملك أية مصالح مع الاقتصاد الأميركي العملاق الذي يشكل ربع الاقتصاد العالمي.

بل إن هشاشة الآلية الأوروبية ظهرت بوضوح في تمرد حتى المؤسسات التابعة للمفوضية الأوروبية أو الحكومات التي قادت وضع تلك الآلية وهي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.

فقد رفض بنك الاستثمار الأوروبي التعامل مع إيران. وتخلى بنك مملوك للدولة الفرنسية عن خطط لتأسيس آلية لمساعدة الشركات الفرنسية على مواصلة التجارة مع إيران.

وينبغي هنا أن نتساءل: إذا كان الاتحاد الأوروبي لا يستطيع إجبار المؤسسات التابعة لها على التعامل مع إيران فكيف سيتمكن من إقناع الشركات بالمغامرة بالتعامل مع طهران؟

توسلات إيران بدول الاتحاد الأوروبي تكشف أيضا أنها آخر ورقة بعد أن أدركت تخلي جميع “أصدقائها” عن التعامل معها مثل الصين وروسيا، رغم التصريحات الدبلوماسية، التي لم تجد ترجمة على أرض الواقع.

فالبيانات تؤكد أن الصين، التي يفترض أنها آخر من يتخلى عن شراء النفط الإيراني، توقفت بالفعل، وهي لا تريد مفاقمة حربها التجارية مع الولايات المتحدة. كما أن تركيا توقفت هي الأخرى رغم تأكيدها أنها لا تستطيع التخلي عن نفط إيران.

ويُجمع المحللون على أن قبضة العقوبات اليوم أقسى بعشرات المرات من أي عقوبات مشابهة في الماضي، لأن الالتزام بها أكثر دقة بعد أن أصبحت الشركات تستخدم برامج الذكاء الاصطناعي لتفادي أي صلة غير مباشرة بإيران في جميع التعاملات.

وفي الخلاصة تبدو الاستغاثات الإيرانية والمهل التحذيرية التي تقدمها لدول الاتحاد الأوروبي عقيمة بعد أن قدمت الكثير منها دون جدوى منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو من العام الماضي.

الأمر ببساطة هو أن الدول الأوروبية لا تملك ما تطالب به طهران، ولذلك فهي تلوذ بالصمت.

ويبدو أن الاستغاثات والتحذيرات ستتواصل وتزداد وتيرتها في الأيام المقبلة دون أن تجد أي استجابة، في وقت يتسارع فيه تدحرج الاقتصاد الإيراني نحو الانهيار التام.

10