أزمة إعلامية في مصر عنوانها "إيمي تاتو"

صاحبة صالون تجميل تكشف أزمة الكفاءات بفضائيات مصرية.
السبت 2022/08/06
القنوات حقل تجارب لمن لديهم المال

طفت أزمة انزواء الكفاءات الإعلامية على السطح مجددا في مصر مع إعلان فضائية “الشمس” التعاقد مع صاحبة صالون تجميل للمشاركة في تقديم أحد برامجها التي تستعد لبثها الفترة المقبلة، ما قاد إلى تدخل المجلس الأعلى للإعلام سريعا لوقف البرنامج وإخماد فتنة دخلت على خطها مجموعة من الإعلاميين والأكاديميين، والبعض من حديثي التخرج الذين لا يجدون فرصة في سوق العمل.

القاهرة - أوقف المجلس الأعلى للإعلام المسؤول عن تنظيم الإعلام في مصر برنامجا كان من المقرر أن تشارك في تقديمه إحدى العاملات في مجال تجميل السيدات وتدعى إيمي تاتو، ومعروفة وسط قطاع من الجمهور عبر فيديوهات تبثها على منصات التواصل الاجتماعي.

وأشار المجلس إلى أنه تلقى شكاوى كثيرة حول خرق البرنامج للأكواد الإعلامية، ومخالفة شروط الترخيص الصادر للقناة، وفي ضوء ذلك قرر تحويلها إلى المسؤول القانوني للتحقيق في المخالفات المنسوبة لمحطة “الشمس” الخاصة.

وأثارت الواقعة تساؤلات عديدة، فتدخل الجهات المسؤولة جاء سريعا وحاسما هذه المرة، بعد أن شغلت القضية الوسط الإعلامي وسلطت الضوء على مشكلات يعانيها الإعلام المصري وقادت إلى تراجعه في الآونة الأخيرة.

ليلى عبدالمجيد: فضائيات تضلل الرأي العام من خلال تقديم برامج مدفوعة الأجر

في حين أن قنوات مصرية أخرى تتوسع في ما يسمى بـ”تأجير ساعات البث” لبعض مقدمي البرامج من دون الالتزام بمعايير البث الإعلامي أو المحتوى الإعلاني الذي يتم تقديمه بين فقرات البرنامج، ولم يتحرك مجلس الإعلام أو نقابة الإعلام التي تشترط الحصول على تصريح مزاولة المهنة لكل من يظهر على شاشة التلفزيون.

وذهبت غالبية تعليقات الإعلاميين نحو التأكيد على حالة التردي التي أصابت فضائيات مصرية عدة جراء عزوف المشاهدين عنها، وتحولها إلى حقل تجارب لكل من لديه القدرة المالية على تقديم محتوى لا يخضع جيدا للرقابة أو مراجعة ما يتضمنه من معلومات مغلوطة، وهو ما أدى في النهاية إلى تغييب الكفاءات نتيجة استسهال أصحاب القنوات الذين يحصلون على مبالغ إعلانية مقابل ما يوصف بـ”تأجير الهواء”، أي ساعات معينة للبث.

ولا ينفصل توسع الفضائيات في الاعتماد على خبراء التجميل أو ربات البيوت لتقديم برامج الطهي أو جذب الأطباء لتقديم فقرات طبية مدفوعة الراتب، عن الأخطاء العديدة التي ارتكبها الإعلام المصري منذ سنوات، وقادت إلى ظهور ضيوف يفتقرون للثقافة التي تؤهلهم لمخاطبة الجمهور والاستعانة بمشاهير على حساب جودة المحتوى.

ولدى البعض من الإعلاميين هواجس تتعلق بأن مسألة سد المنافذ أمام اكتشاف الكفاءات، وعدم حماس الفضائيات لتقديم تجارب قائمة على ما يقدم من محتوى يغذي عقول المواطنين ويتطرق إلى قضايا تهم المجتمع، وإن لم يحقق العوائد الإعلانية المطلوبة، تحمل معالم ترتبط بفلسفة الإعلام وسياساته العامة بمصر، ولا تغامر الفضائيات باستقطاب أسماء تملك توجهات سياسية مستقلة، وترى أن الأفضل التغاضى عنها.

وقالت أستاذة الإعلام السياسي بجامعة القاهرة ليلى عبدالمجيد إن بعض الفضائيات تضلل الرأي العام، من خلال تقديم برامج مدفوعة الراتب دون أن توضح ذلك أو تتدخل في تحديد طبيعة المحتوى، وأصبح كل من لديه قدرة مالية يتحكم في نوعية القضايا التي يتبناها، وثمة محطات تقدم عروضا لهؤلاء للموافقة على الظهور على شاشاتها.

وأضافت في تصريح لـ”العرب” أن السماح بعمل المعلن كإعلامي والتوسع في الفضائيات يقود إلى استمرار أزمة تغييب الكفاءات، ولا يخدم ذلك تطور الإعلام أو مصلحة المشاهدين، وإن حققت بعض القنوات مكاسب مادية الآن لن تستطيع تحقيقها في المستقبل، لأن الجمهور سوف يقاطعها ولن تحقق التأثير المرجو الذي يؤدي إلى دفع المعلنين إلى الإقبال عليها.

وأشارت إلى أن البرامج التي تقدم محتوى متميزا أو تعتمد على مذيع محترف وفريق إعداد لديه القدرة على اختيار الضيوف والمعلومات المقدمة، هي التي تجذب الجمهور حتى مع تراجع معدلات المشاهدة، وعلى الفضائيات إذا أردات النجاح أن تتوسع في البحث عن أفكار مبتكرة وتقديمها بعرض شيق، بدلا من الاعتماد على تأجير الهواء.

مسعد صالح: هناك إمكانية لتحقيق عوائد مادية أفضل عبر تطوير المحتوى

ويتفق العديد من خبراء الإعلام على أن أزمة الفضائيات المصرية تنحصر في عدم القدرة على تطوير مضمونها، لغياب الكثير من الكفاءات وعدم وجود إرادة حقيقية للتطوير، ما يجعل هناك شحا في الأفكار يقود إلى إعادة تكرار برامج حققت نجاحا في السابق، وتسير قنوات حديثة على نفس وتيرة الفضائيات القديمة التي تشكو حاليا من ضعف العوائد المالية من حصيلة الإعلانات.

وتوسعت فضائيات مصرية شهيرة في العامين الماضيين في عملية تأجير ساعات البث، وباتت كل فضائية منها تضع تسعيرة خاصة بها لاستقبال الضيوف نظير مبلغ مالي أو تقديم برامح كاملة بأنفسهم، ما أدى إلى انتشار شركات العلاقات العامة ومهمتها التسويق للعروض التي تقدمها هذه القنوات، وتتجاوز أحيانا معايير مقدمي الخدمة الإعلانية، وتبرر ذلك برغبتها في مواجهة الأزمات الاقتصادية التي تعصف بها.

وأوضحت قناة “الشمس” التي أثارت الأزمة الأخيرة، وهي إحدى الفضائيات التي بدأ ظهورها إلى النور قبل أقل من عام لتحقيق عوائد إعلانية من وراء تأجير الهواء، أنها تابعت باهتمام ردود الفعل لدى رواد السوشيال ميديا، التي ظهرت خلالها تحفظاتهم على فكرة برنامج مختص بالتجميل يضم مجموعة من الخبراء والمختصين بالتجميل من مشاهير المنصات ومحتواه، ما استدعاها إلى الاستجابة وإلغاء البرنامج قبل ظهوره.

وتعتزم المحطة استكمال كافة الإجراءات لتوفير التصاريح اللازمة من الجهات المسؤولة قبل ظهور البرنامج فعليا على شاشتها، ولا تنوي التخلي عنه تماما.

وبالفعل لم تتم إذاعة أي محتوى خاص بالبرنامج “إيمي تاتو” على شاشة القناة أو الصفحات التابعة لها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وشدد الخبير الإعلامي مسعد صالح على أن المشكلة لا تكمن في بيع ساعات الهواء باعتباره أمرا منصوصا عليه في قانون تنظيم الإعلام، لكن من الضروري إدخال تعديلات عليه تضع معايير محددة يجب أن يلتزم بها المعلنون وتوضح المواثيق التي تعمل في إطارها بصورة لا تحتمل الالتفاف أو الالتباس.

وأقر القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بأحقية القنوات الفضائية في تأجير مساحات البث داخل الوسائل الإعلامية، ووضع القانون شرطين أساسيين لعملية تأجير الهواء الذي تقوم به القنوات الفضائية، وهما موافقة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والجهات المعنية المختصة.

وأكد صالح في تصريح لـ”العرب” أن التحولات الحاصلة في مجال الإعلام تقود إلى إثارة مثل هذه الأزمات، لأن القنوات لا تستطيع مجاراة التطورات في مجال الإعلام الرقمي، وتسوية الوضع بالنسبة للإعلاميين الذين يشكون من عدم توفر فرص عمل لديهم، بينما هناك إمكانية لتحقيق عوائد مادية أفضل عبر تطوير محتوى المنصات الرقمية والفضائيات التقليدية.

16