"أبوليلى" فيلم جزائري عن أسرار العشرية السوداء

فيلم "أبوليلى" يحكي قصة سنوات العشرية السوداء في الجزائر خاضت خلالها الدولة حربا مع جماعات إسلامية مسلحة وخلفت الآلاف من الضحايا.
الخميس 2020/11/26
رحلة بحث عن الانتقام في الصحراء

الجزائر- تحصل الفيلم الروائي الطويل الجزائري “أبوليلى” لمخرجه أمين سيدي بومدين أخيرا على جائزة “جيرار فرو كوتاز” لمهرجان لقاءات بلفور السينمائي الفرنسي.

وحاز فيلم “أبوليلى” على جائزة “جيرار فرو كوتاز” عن كونه أفضل فيلم روائي خرج في قاعات السينما لسنة 2020.

ويتناول الفيلم لمدة 140 دقيقة الأحداث المأساوية خلال فترة العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر من خلال قصة الشابين سمير الذي يؤدي دوره سليمان بنواري ولطفي من تأدية إلياس سالم، اللذين يطاردان إرهابيا خطيرا يدعى “أبوليلى” في الصحراء الجزائرية.

ويسلط هذا العمل السينمائي الضوء على الأثر الكبير الذي يخلفه العنف في المجتمع وما يترتب عنه من صدمات نفسية.

فيلم

وشارك فيلم “أبوليلى” الذي يعتبر أول فيلم مطول للمخرج أمين سيدي بومدين بعد الفيلمين القصيريين “الجزائر غدا؟” و“الجزيرة” في فعاليات الطبعة 72 لمهرجان كان السينمائي في مايو 2019 في مسابقة “أسبوع النقد”.

كما عرض أيضا خلال مهرجانات البوسنة والهرسك وتونس وبلجيكا وإيطاليا ومصر. ونال الممثل والمخرج الجزائري إلياس سالم، جائزة أحسن ممثل عن دوره في هذا الفيلم خلال الطبعة الـ30 لأيام قرطاج السينمائية سنة 2019.

يحكي الفيلم قصة سنوات العشرية السوداء في الجزائر. وهي حرب عرفتها الجزائر في التسعينات، خاضتها الدولة الجزائرية مع جماعات إسلامية مسلحة وخلفت الآلاف من الضحايا.

يبدأ الفيلم بجريمة اغتيال لرجل أمام منزله في الجزائر عام 1994 يُنفذها الإرهابي “أبوليلى”، ثم تنتقل الأحداث إلى الصحراء وتحديدًا الجنوب الجزائري، وتنطلق سيارة سوداء وسط الصحراء بداخلها بطلا الفيلم، ويبدو من خلال الحوارات بينهما أن أحدهما مريض ومضطرب نفسيًا بينما يساعده الآخر طوال الوقت على تجاوز الآلام البدنية والكوابيس التي تهاجمه بين الحين والآخر.

وبعد مشوار وخلال أحداث الفيلم يتضح أن الاثنين شرطيان وأنهما يسعيان خلف الإرهابي أبوليلى، لكن الدافع وراء هذه المطاردة ذات الطابع الشخصي يظل غامضًا حتى الدقائق الأخيرة من الفيلم. وخلال الفيلم نفهم اختيار المخرج الصراع المسلح الذي خاضته الجماعات الإسلامية المتطرفة في الجزائر خلال العشرية السوداء (1992-2002) ضد الدولة ومؤسساتها كخلفية للأحداث.

ومع اقتراب النهاية تتكثف الأحداث وتترابط الخطوط وتتجلى ثنائية الخوف والعنف التي أراد صناع الفيلم إبرازها منذ البداية. فتظهر رابطة قوية بين هذه الثنائية، أي الخوف والعنف اللذين يسكنان كل إنسان وصراعه الشخصي في ترويضهما.

ويعود الفيلم بجمهوره إلى الأحداث الدامية التي عرفتها الجزائر في تلك الحقبة المأساوية والتي ما تزال مطبوعة في ذاكرة الجزائريين، من خلال هذه القصة التي يقحم فيها المخرج الكثير من الأفكار والخفايا والتفاصيل على ألسنة الشخصيات. حيث  عكف المخرج أمين سيدي بومدين على الإعداد وكتابة السيناريو عدة سنوات بينما جرى تصويره في ثمانية أسابيع.

وقال بطل الفيلم سليمان بنواري في تصريح له إن الفيلم لا يتعرض لقضية الإرهاب بشكل مباشر ولا يستعرض “العشرية السوداء” بالصورة النمطية المترسخة في الغرب أو الذي تناولته الكثير من الأفلام السابقة، لكنه يركز على العنف داخل الإنسان والدور الذي تلعبه الظروف أو يتسبب المحيطون بنا في تنميته واستفزازه إلى أن يظهر على السطح.

وأضاف أن الفيلم تعطل في الحصول على إجازة للعرض العام في الجزائر رغم أنه من إنتاج وزارة الثقافة، وهو ما تكرر مع أفلام عديدة في السنوات القليلة الماضية دون أسباب واضحة.

وقال لطفي إدريس، أستاذ علوم الصورة في الجامعة التونسية، إنَّ الفيلم اتبع تقنية متقدمة تمزج بين البطء والهدوء في صناعة البدايات والنهايات عبر إدارة تصوير قادها المدير التقني الياباني كانام أنوياما.

وأوضح إدريس أنَّ المخرج الجزائري اعتمد مسحة من الضبابية في صور الفيلم أراد من خلالها تصوير حقبة من الزمن الأسود في تاريخ الجزائر الحديث.

حقبة مأساوية ما تزال مطبوعة في ذاكرة الجزائريين
حقبة مأساوية ما تزال مطبوعة في ذاكرة الجزائريين

أما الناقد طاهر شيخاوي فيتحدث عن الفيلم قائلا “شخصيتان في سيارة تنطلقان في رحلة تجوبان فضاء الجزائر في اتجاه الصحراء. مبدأ الفيلم الأساسي هو أنّ المسار يكتسي أكثر من منحى، فيضاف إلى التدرج الدرامي من التقاء شخصيات جديدة في فضاءات جديدة وسياقات جديدة، مستوى آخر، وهو التنقل عبر فضاءات مغايرة في طبيعتها، طبقات من الواقع والخيال والحلم والهلاوس والطلامس، وإلى ذلك يضاف مستوى ثالث وهو عبور لافت مثير لأجناس سينمائية متنوعة”.

ويبيّن شيخاوي أن “الفيلم تناول فترة العشرية السوداء وقام بصياغتها في قوالب سينمائية مستعارة من أشكال سينمائية كالويسترن والثريلر وأفلام الرعب، وهذا في رأيه اقتراح مهم جدّا، وليس اعتباطيا أن يعتمد عدد من المخرجين الشبان الجزائريين هذه الأشكال في أعمالهم، فصياغة تلك الفترة في قوالب مستعارة من التراث السينمائي يحررنا من التمثلات المفروضة علينا من هنا ومن هنالك، شرقا وغربا”.

ومنذ بدايته السينمائية والمخرج أمين سيدي بومدين مهتم بقضايا بلاده الراهنة، محاولا البحث عن أشكال تعبيرية جديدة، وكان ذلك واضحا في تناوله فترة “العشرية السوداء” أو الحرب الأهلية الجزائرية في فيلمه الأخير.

15